")
الامام جعفر الصادق(عليه السلام)

قبس من حياة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)

في السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثمانين للهجرة النبوية المباركة، كانت الأمة الإسلامية تحتفل بالذكرى السادسة والثلاثين بعد المائة لمولد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وكانت تغمر بيت الرسالة موجة من الفرح والسرور والابتهاج، فالكل يرتقب مجدا يهبط على هذا البيت الشريف فيزيده رفعة وشموخاً .

في تلك الليلة، وفي تلك الأجواء المباركة، ولد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، فكان شعلة نور بازغة سخت بها إرادة السماء لتضيء لأهل الأرض، وتنير سبلها إلى الخير والسلام .

ولد أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في السابع عشر من ربيع الأول سنة ثمانين[1]، وهو يوم مولد جده المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وذهب بعض المؤرخين إلى أن ولادته كانت سنة ثلاث وثمانين[2]، وتوفي (عليه السلام) في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة[3]، وله من العمر خمس وستون سنة[4].

لقد عاصر الإمام الصادق منذ ولادته وحتى شهادته عشرة من خلفاء بني أمية، وهم: عبد الملك بن مروان، الوليد بن عبد الملك (الوليد الأول)، سليمان بن عبد الملك، عمر بن عبد العزيز، يزيد بن عبد الملك (يزيد الثاني)، هشام بن عبد الملك، الوليد بن يزيد (الوليد الثاني)، يزيد بن الوليد (يزيد الثالث)، إبراهيم بن الوليد، ومروان بن محمد. كما عاصر اثنين من العباسيين، هما: أبا العباس عبد الله بن محمد المعروف بالسفاح، وأبا جعفر بن محمد المعروف بالمنصور.

تزامنت بداية إمامته الشريفة مع حكومة هشام بن عبد الملك، واستشهد في السنة الثانية عشرة من حكومة أبي جعفر المنصور المشهور بالدوانيقي, ودفن في البقيع إلى جنب قبر أبيه محمد الباقر وجده علي زين العابدين وعم جده الحسن بن علي (صلوات الله عليهم أجمعين) فلله درُّه من قبرٍ ما أكرمه وأشرفه!

وجدير بالذكر، أن الحقبة التي عاشها الإمام الصادق (عليه السلام) شهدت تلاطما شديدا، حيث الانقلابات والاضطرابات، وكان من أهمها الثورات المطالبة بدم سيد الشهداء (عليه السلام) أمثال: ثورة أبي سلمة في الكوفة، وثورة أبي مسلم الخراساني في إيران.

لقد أثبت التاريخ أن الإمام الصادق (عليه السلام) استطاع أن يؤسس أكبر جامعة علمية شهدها التاريخ حتى ذلك الحين، حيث بلغ عدد من استقوا من أفكار هذه المدرسة المباركة الأربعة آلاف طالب.

يقول المؤرخ الشهير أبو نعيم الأصفهاني: روى عن جعفر عدّة من التابعين منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السختياني، وأبان بن تغلب، وأبو عمرو بن العلاء، ويزيد بن عبد الله بن هاد، وحدّث عنه الأئمة الأعلام: مالك بن أنس، وشعبة الحجاج، وسفيان الثوري، وابن جريح، وعبد الله بن عمر، وروح بن القاسم، وسفيان بن عيينة، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، وعبد العزيز بن المختار، ووهب بن خالد، وإبراهيم بن طهمان [5] .

خُلُقه (عليه السلام) وسمته:

الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) أحد عظماء أهل البيت وساداتهم، ذو علوم جمّة، وعبادة موفورة، وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتبع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائبه. يقسِّم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكر الآخرة، واستماع كلامه يزهد في الدنيا، والاقتداء بهديه يورث الجنة، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوة، وطهارة أفعاله تصدع أنه من ذرية الرسالة.

نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الأئمة وأعلامهم، مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبو حنيفة، وشعبة، وأبو أيوب السجستاني وغيرهم، وعدوا أخذهم عنه منقبة شُرفوا بها، وفضيلة اكتسبوها.

وفيما يلي نشير إلى بعض فضائله وأخلاقه وعلمه (صلوات الله عليه).

عبادته (عليه السلام):

يقول مالك بن أنس إمام المذهب المالكي: «اختلفتُ إلى جعفر بن محمد زماناً، وما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصلٍّ، وإما صائم، وإما يقرأ القرآن»[6].

ويقول أيضاً: «ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمد، فضلاً وعلماً وورعاً»[7].

وروى من عاصر الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «حججت، فمررت بالمدينة فأتيت قبر رسول الله صلّى الله عليه وآله فسلمت عليه، ثم التفت، فإذا أنا بأبي عبد الله (عليه السّلام) ساجداً فجلست حتى مللت، ثم قلت: لأُسبحنّ ما دام ساجداً فقلت: سبحان ربي وبحمده، أستغفر ربي وأتوب إليه، ثلاثمائة مرة ونيفاً وستين مرة، فرفع رأسه ثم نهض»[8].

إنسانيته (عليه السلام):

إن نظرة الإمام الصادق (عليه السلام) الإنسانية تنبثق من نظرة الإسلام إليها في شتى صيغها ومفاهيمها، كما سنشاهد ونلمس من بعض هذه النماذج العظيمة؛ ذلك لكي نكشف مدى تفاني الإمام في حب الإنسانية وتقدير حقوقها، حتى ليجعل الصخر ينحني والنجم والشجر يسجدان إجلالاً وإكراماً لهذه النظرة العظيمة.

محاربته (عليه السلام) الاحتكار:

أعطى بوابه ومولاه - مصادف - ألف دينار، وقال له: تجهز حتى تخرج إلى مصر (أي في رحلة تجارية) فإن عيالي قد كثروا، فتجهز وخرج مع التجار إلى مصر، فلما دنوا منها استقبلتهم قافلة خارجة منها، فسألوهم عن المتاع الذي معهم ما حاله في المدينة؟ فأخبرهم أن ليس بمصر منه شيء، فتحالفوا وتعاقدوا على أن لا ينقصوا من أرباح دينارٍ ديناراً - يعني يجعلون الربح مضاعفاً - فلما قبضوا أموالهم انصرفوا إلى المدينة .

فدخل مصادف على أبي عبد الله (عليه السلام) ومعه كيسان في كل واحد ألف دينار، وقال : جعلت فداك هذا رأس المال وهذا الآخر ربح، فقال (عليه السلام): إن هذا الربح كثير! ولكن ما صنعتم في المتاع ؟ فحدَّثه مصادف بقصة تجارتهم .

فقال: سبحان الله تحلفون على قوم مسلمين ألا تبيعوهم إلاّ بربح الدينار ديناراً ؟ ثم أخذ أحد الكيسين، فقال: هذا رأس مالي ولا حاجة لنا في الربح.

ثم قال: يا مصادف مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال[9].

رعايته (عليه السلام) لحقوق الناس ولو كانوا مشركين:

كان للإمام صديق لا يكاد يفارقه، فغضب يوماً على عبده وسبه قائلاً: أين كنت يا ابن الفاعلة!!

فلما سمع أبو عبد الله دفع يده فصك بها جبهة نفسه.

ثم قال: سبحان الله تقذف أمه، قد كنت أرى لك ورعاً.

فقال الرجل: جعلت فداك، إن أُمَّه أمة مشركة.

فقال (عليه السلام): أما علمت أن لكل أمةٍ نكاحاً .

مواساته (عليه السلام) للفقراء:

قال بعض أصحابه: أصاب أهل المدينة غلاء وقحط حتى أقبل الرجل الموسر يخلط الحنطة بالشعير ويأكله، وكان عند أبي عبد الله طعام جيد - فيه كفاية - قد اشتراه أول السنة.

فقال لبعض مواليه: اشتر لنا شعيراً واخلط بهذا الطعام، أو بعه، فإنّا نكره أن نأكل جيدا ويأكل الناس رديئاً .

حلمه (عليه السلام) ورأفته:

كان (عليه السلام) إذا بلغه من أحد نيلاً منه أو وقيعة فيه، قام إلى مصلاّه فأكثر من ركوعه وسجوده، وبالغ في ابتهاله وضراعته، وهو يسأل الله أن يغفر لمن ظلمه بالسب ونال منه.

وإن كان من أقربائه الأدنين فكان يوصله بمال ويزيد في بره قائلاً : إني لأحب أن يعلم الله أني أذللت رقبتي في رحمي، وأني لأبادر أهل بيتي، أصلهم قبل أن يستغنوا عني.

لله درُّك سيدي ما أعظمك واحلمك.. وما أكبرك نفساً وأرحبك صدراً وأحسنك خلقاً.

لقد كان (عليه السلام) ينهى أهل بيته عن الرقي إلى السطح عبر السلّم، مشيراً لهم بأفضلية الدرج المألوف للصعود، فدخل ذات مرة الدار ورأى إحدى الجواري التي كانت تربي ولداً له تتسلق السلَّم والطفل بيدها، فلما بصرت الجارية بالإمام خافت وارتعدت فرائصها وسقط الصبي من يدها ومات.

فخرج (عليه السلام) إلى مجلسه متغيراً لونه، فلما سئل عن ذلك قال: ما تغير لوني لموت الصبي، وإنما تغير لوني لما أدخلت على الجارية من الرعب.

في حين أن الإمام قال لها حينما شاهدها خائفة مذعورة: أنت حرة لوجه الله، أنت حرة لوجه الله.

كانت الحجاج تتقاطر على مكة والمدينة وكان بعضهم يفضل المبيت في مسجد النبي (ص) بدلاً من أن يستأجروا مقابل بعض الدراهم، فكان أحدهم نائماً بالمسجد والإمام يصلي بجانبه، فلما انتبه لم ير هميانه الذي حفظ فيه نقوده، فتعلّق بالإمام - ولم يكن يعرفه - قائلاً له: أنت سرقت همياني.

فقال له الإمام: كم كان عندك من النقود؟

قال: ألف دينار.

فحمله إلى منزله وأعطاه ألف دينار، فذهب الرجل ثم وجد هميانه وفيه ألف دينار، فعاد بالمال إلى الإمام متعذراً، فأبى قبوله قائلا: شيء خرج من يدي لا يعود إليّ.

فخرج الرجل يسأل الناس عنه، فقيل: هذا جعفر بن محمد، فقال : لا جرم هذا فعال مثله[10]!

جوده (عليه السلام) وكرمه:

قال سعيد بن بيان: مرَّ بنا المفضل بن عمر - أنا وأخت لي - ونحن نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة ثم قال لنا: تعالوا إلى المنزل، فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم دفعها إلينا من عنده، حتى إذا استوثق كل واحد منا صاحبه، قال المفضل: أما إنها ليست من مالي، ولكن أبا عبد الله الصادق أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا أن أصلح وأفتدي بها من ماله، فهذا مال أبي عبد الله.

وجاء إليه رجل وقال: لقد سمعت أنك تفعل في عين زياد - وكان ذلك اسم قرية له - شيئاً أحب أن أسمعه منك.

فقال (عليه السلام): نعم كنت آمر إذا أدركت الثمرة أن يثلم في حيطانها الثلم (أي يشق ويهدم)  ليدخل الناس ويأكلوا. وكنت آمر أن يوضع بنيات يقعد على كل بنية عشرة، كلما أكل عشرة جاء عشرة أخرى يلقي لكل منهم مدّ من رطب، وكنت آمر لجيران الضيعة كلهم الشيخ والعجوز والمريض والصبي والمرأة ومن لا يقدر أن يجيء، فيكال لكل إنسان مدّاً فإذا أوفيت القوّام والوكلاء آجرتهم وأحمل الباقي إلى المدينة ،ففرقت في أهل البيوت والمستحقين على قدر استحقاقهم، وحصل لي بعد ذلك أربعمائة دينار، وكان غلتها أربعة آلاف دينار.

يعني ذلك أنه كان يصرف تسعة أعشار تلك الضيعة في الوجوه الخيرية، بينما يجعل لنفسه عشراً واحداً منها فقط.[11]

وينقل هشام بن سالم أحد أصحاب الإمام البارزين فيقول: كان أبو عبد الله إذا أعتم - أي أظلم - وذهب من الليل شطره، أخذ خناً فيه لحم وخبز ودراهم فحمله على عنقه، ثم ذهب إلى أهل الحاجة من أهل المدينة فقسمه فيهم، ولا يعرفونه .

فلما مضى (توفي) أبو عبد الله فقدوا ذلك، فعلموا أنه كان أبا عبد الله.[12]

وقال بوابه المصادف: كنت مع أبي عبد الله بين مكة والمدينة، فمررنا على رجل في أصل شجرة وقد ألقى بنفسه.

فقال (عليه السلام): مِلْ بنا إلى هذا الرجل (أي اعدل الطريق إلى جانبه) فإني أخاف أن يكون قد أصابه العطش، فمِلنا إليه، فإذا هو رجل من النصارى طويل الشعر.

فسأله الإمام: عطشان أنت؟

فقال: نعم.

فقال الإمام: انزل يا مصادف فاسقه.

فنزلت وسقيته ثم ركب وسرنا.

فقلت له: هذا نصراني أفتصرف على نصراني؟

فقال: نعم إذا كانوا بمثل هذه الحالة.

وبعث إلى ابن عم له من بني هاشم صرَّة بيد أبي جعفر الخشعمي - وكان من رواته الموثوقين - فأمره بأن يكتمه عنه. فلما جاء إلى الهاشمي وأعطاه، قال: جزاه الله خيراً، ما يزال كل حين يبعث بها فنعيش به إلى عام قابل، ولكني لا يصلني جعفر بدرهم مع كثرة ماله .

وحينما حضرته الوفاة أمر بسبعين ديناراً لابن عمه الحسن بن علي الأفطس.

فقيل له: أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة ليقتلك؟

فقال عليه السلام: ويحكم أما تقرأون: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)[13] إن الله خلق الجنة فطيَّبها، وطيَّب ريحها ليوجد من مسيرة ألف عام، ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم.[14]

إِن الإمام لا يعرف فرقاً في البِرّ والعطف بين الناس، فالناس قريبهم وبعيدهم لديه شرع سواء، وما كلّ مَن ينيلهم بذلك البِرّ والصِلة في جوف الليل، ويسعفهم من التمر من عين زياد، ممّن يرى إِمامته وولاءه، فالمسلمون كلّهم - لو استطاع - مغرس برّه، ومنال عطفه.

وما أوفر عطفه، فكم دعا لسجين بإطلاق سراحه كما في دعائه لسدير وعبد الرحمن؛ وهما من أصحابه وكانا في السجن، وعلّم اُمّ داود الحسني، وكان في سجن المنصور مع بني الحسن، دعاءً وعملاً وصوماً في الأيام البيض من رجب، فعملت ما قال فاطلق سراحه، وما زال العمل يُعرف إلى اليوم بعمل اُمّ داود.

المدرسة الكبرى:

لعلنا لن نجد في التاريخ الإنساني مدرسة فكرية استطاعت أن توجه الأجيال المتطاولة، وتفرض عليها مبادئها وأفكارها، ثم تبني أمة حضارية متوحدة لها كيانها وذاتيتها، مثلما صنعته مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) .

إن من الخطأ أن نحدد إنجازات هذه المدرسة في من درس فيها وأخذ منها من معاصريها وإن كانوا كثيرين جدا، وإنما بما خلّفته من أفكار، وبما صنعته من رجال غيرّوا وجه التاريخ ووجهوا أمته، بل وكوَّنوا حضارته التي ظلت قروناً طويلة.

لقد أثبت التاريخ أن الذين استقوا من أفكار هذه المدرسة كانوا أربعة آلاف طالب [15]. ولكن ما يهمنا هنا هو معرفة ما كان لهذه المدرسة من تأثير في تثقيف الأمة الإسلامية التي عاصرتها والتي تلتها إلى اليوم، وأن الثقافة الإسلامية الأصيلة كانت جارية عنها فقط، حيث أثبتت البحوث أن غيرها من الثقافات المنتشرة بين المسلمين إنما انحدرت عن الأفكار المسيحية واليهودية بسبب الدَّاخلين منهم، أو ملونة بصبغة الفلاسفة اليونان والهنود الذين ترجمت كتبهم إلى العربية، فبنى بعض المسلمين عليها أفكارهم وكوَّنوا بها مبادئهم .

ولم تبق مدرسة فكرية إسلامية حافظت على ذاتها ووحدتها وأصالتها في جميع شؤون الحياة كما بقيت مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)، ذلك لثقة التابعين لها وبأفكارها، مما دفعهم إلى التمسك بها وبملامحها الخاصة عبر قرون طويلة، حتى أنهم كانوا ينقلون عنها الروايات فماً بفم، وإذا كتبوا شيئا لا ينشرونه إلاّ بعد الإجازة الخاصة ممن رووا الأفكار عنه (عليه السلام).

إن الثقافة الإسلامية - الشيعية منها أو السنّية - كانت ولا زالت تعتمد على الأئمة من معاصري الإمام الصادق (عليه السلام) كالأئمة الأربعة ممن توقف المسلمون على مذاهبهم فقط، وإن معظم هؤلاء الأئمة أخذوا من هذه المدرسة أفكارهم الدينية، حتى أن ابن أبي الحديد أثبت أن علم المذاهب الأربعة راجع إلى الإمام الصادق في الفقه.

يقول المؤرخ الشهير أبو نعيم الأصفهاني: (روى عن جعفر عدّة من التابعين منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السختياني، وأبان بن تغلب، وأبو عمرو بن العلاء، ويزيد بن عبد الله بن هاد، وحدث عنه الأئمة الأعلام: مالك بن أنس، وشعبة الحجاج، وسفيان الثوري، وابن جريح، وعبد الله بن عمر، وروح بن القاسم، وسفيان بن عيينه، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، وعبد العزيز بن المختار، ووهب بن خالد، وإبراهيم بن طهمان، في آخرين، وأخرج عنه مسلم بن الحجاج في صحيحه محتجاً بحديثه [16].

إذا عرفنا ذلك صح لنا القول بأن الثقافة الإسلامية الأصيلة ترجع إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وإلى مدرسته فقط.

ومن جانب آخر، فإن تلميذاً واحداً من الملتحقين بهذه المدرسة ألّف زهاء خمسمائة رسالة في الرياضيات كلها من إملاء الإمام الصادق (عليه السلام)، وهو جابر بن حيان المعلم الرياضي الشهير الذي لا يزال العالم يعرف له فضلاً كبيراً على هذه العلوم، وأيادي طويلة على أهلها .

والمشهور أن منهاج الإمام الصادق (عليه السلام) كان يوافق أحدث مناهج التربية والتعليم في العالم، حيث ضمّت حوزته اختصاصيين كهشام بن الحكم الذي تخصص في المباحث النظرية، وتخصص زرارة ومحمد بن مسلم وأشباههم في المسائل الدينية، كما تخصص جابر بن حيان في الرياضيات، وعلى هذا الترتيب.

حتى أنه كان يأتيه الرجل فيسأله عما يريد من نوع الثقافة، فإذا كان سؤاله عن الفقه دلَّه على المتخصص به، أو التفسير فيومئ إلى صاحبه، أو الحديث والسيرة، أو الرياضيات، أو الطب، أو الكيمياء، فيشير إلى تلامذته الأخصائيين، فيذهب الرجل بملازمة من أراد حتى يخرج رجلاً قديراً بارعاً في ذلك الفن.

ولم يكن الوافدون إليه من أهل قُطرٍ خاص، فلقد كانت طبيعة العالم الإسلامي في عصره تقضي على الأمة بتوسيع الثقافة والعلم والمعرفة في كل بيت.. حيث أن الفتوحات المتلاحقة التي فتحت على المسلمين أبواباً جديدة من طرق العيش وعادات الخلق، وأفكار الأمم، كانت تسبب احتكاكاً جديداً للأفكار الإسلامية بالنظريات الأخرى، فتأثر نمط الحياة عند المسلمين بعادات الفرس والروم وغيرهما من جارات الدولة الإسلامية، كما خلقت مجتمعاً حديثاً امتزج فيه المتأثر العميق بالوضع، والمنحرف الكامل عن الإسلام، مما سبب حدوث تناقضات في الحياة، قد ترديه وتحدث لديه انعكاسات سيئة جداً لذلك الامتزاج الطبيعي المفاجئ .

لذلك هرعت الأمة يومئذ إلى العلم والثقافة والتصقت بأبي عبد الله الصادق (عليه السلام) مؤملة الخصب الموفور، ووفدت عليه من أطراف العالم الإسلامي طوائف مختلفة، وساعدهم على المثول أمامه مركزه المرموق، حيث اختار - في الأعم الأغلب - مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) التي كانت تمثل العصب الحساس في العالم الإسلامي، ففي كل سنة كانت وفود المسلمين تتقاطر على الحرمين لتأدية مناسك الحج المفروضة ولحل مسائلهم الفقهية والفكرية. فيلتقون بصادق أهل البيت (عليه السلام) وبمدرسته الكبرى حيث يجدون عنده كل ما يريدون.

ويجدر بنا المقام هنا أن نشير إجمالا إلى موجة الإلحاد التي زحفت على العالم الإسلامي في عهد الإمام الصادق (عليه السلام)، وقد اصطدمت بمدرسته، فإذا بها الصَّد المتين، والسَّد الرصين، الذي حطم قواها وجعلها رذاذاً، وباعتبار أننا نحاول أن نلخّص حياة إمامنا العظيم ونحدد ملامح مدرسته الكبرى، يلزم أن نلم موجزاً بهذه الموجة الشاملة.

لقد أشرنا سابقاً إلى أن الفتوحات الإسلامية سببت احتكاكاً عنيفاً بين المسلمين وبين الداخلين، ولأن أغلب المسلمين لم يكونوا قد تفهّموا الإسلام تفهّماً قويماً، ولا وعوه وعياً مستوعباً، فكانت نتيجة هذا الاصطدام، إذ أدّى إلى تشعب المسلمين إلى فرقتين:

الأولى: المحافظون المتزمتون الذين اتخذوا ظاهر الدين ولم يتفهموا جوهره وحقيقته، فإذا بهم يفقدون عقولهم ويفقدون معها مقاييس الأشياء، وكانت الخوارج من فرسان هذا الاتجاه، كما كانت الأشاعرة مع ملاحظة ما بين طوائفهم من اختلاف في الكمية والكيفية.

الثانية: المتطورون المفرّطون الذين بالغوا في التأثر بالوضع وألغوا المقاييس، واكتفوا بما أوحت إليهم عقولهم الناقصة، حسب اختلاف النزعات وتطور الظروف، وكان في مقدمتهم الملحدون ثم - مع اختلاف كثير - كانت المعتزلة ونحوهم من الفرق الأخرى.

وقد اصطدم هؤلاء بمن اقتصرت معلوماتهم على مجموعة من الأحاديث التي يروونها عن أبي هريرة أو غيره، غير مبالين بما فيها من تناقضات جمّة، وكانوا يحسبون أنهم على حق، وأن لهم مقدرة كافية لإثبات مزاعمهم الباطلة، فترى أحدهم يشِّكل حزباً ويدعو إليه الناس سراً.

لذلك تحتم على الإمام الوقوف في وجههم وتبديد مزاعمهم، فرسم ثلاثة خطط حكيمة لذلك:

الخطة الأولى: لقد خصّ فرعاً من مدرسته بالذين يعرفون فلسفة اليونان بصورة خاصة وغيرها بصورة عامة، ويعرفون وجهة نظر الإسلام بالنسبة إليها والحجج التي تنقضها، وكان من هؤلاء هشام بن الحكم المفّوه الشهير، وعمران بن أعين، ومحمد بن النعمان الأحول، وهشام بن سالم، وغيرهم من مشاهير علم الحكمة والكلام، العارفين بمقاييس الإسلام النظرية أيضا.

الخطة الثانية: كتابة الرسائل والكتب، مثل: رسالته (عليه السلام) المدعاة بـ(توحيد المفضل)، ورسالته المسماة بـ(الإهليلجة) وما إليها.

الخطة الثالثة: المواجهة الشخصية لزعماء فكر الإلحاد .

صبره (عليه السلام) وأمانته:

كان للإمام ولداً يدعى (إسماعيل) وكان أكبر أولاده، فلما شبَّ كان جمَّاع الفضائل والمكارم حتى حُسب أنه خليفة أبيه والإمام من بعده، ولما اكتمل نبوغه صرعته المنية، فلم يخرج لوفاته بل دعا أصحابه إلى داره لمراسم الدفن وأتى إليهم بأفخر الأطعمة وحثهم على الأكل الهنيء، فسألوه عن حزنه على الفقيد الفتي الذي اختطفه الموت في ربيعه ولما يكمل من الحياة نصيبه، قال لهم : ومالي لا أكون كما ترون في خير أصدق الصادقين - أي الرسول (صلى الله عليه وآله) - : (إنك ميت وإنهم ميتون).

وكان له ولد آخر، كان في بعض طرقات المدينة يمشي أمامه غضاً طرياً، إذ اعترضته غصة في حلقه فشرق بها ومات أمامه، فبكى (عليه السلام) ولم يجزع بل اكتفى بقوله مخاطباً لجثمان ولده الفقيد: لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن أبليت لقد عافيت.

ثم حمله إلى النساء فصرخن فأقسم عليهن ألا يصرخن .

ثم أخرجه إلى المدفن وهو يقول: سبحان من يقتل أولادنا ولا نزداد له إلاّ حبّاً.

وقال بعد الدفن: إنا قوم نسأل الله ما نحب فيمن نحب فيعطينا، فإذا أحب ما نكره فيمن نحب رضينا[17].

لا أدري من أيّها يعجب المرء أمِن جَلد أبي عبد اللّه (عليه السلام) على هذه المفاجأة المشجية، أم من هذا الشكر المتوالي على مثل هذه النوائب المؤلمة، أم من ذلك الحبّ للخالق على كلّ حال، والرضا بما يصنع في كلّ أمر، أم من تلك البلاغة والفصاحة وتدافع الحِكم البليغة ومطاوعتها له ساعة الدهشة والذهول؟

هيبته (عليه السلام):

قد تكون الهيبة للرجال العِظام من تلك الكبرياء التي يرتديها المرء نفسه، أو من الذين حوله من خدم وأهل وقبيلة، أو جند ودولة، وهذه الهيبة لا تختصّ بقوم، فإن كلّ من تلبّس بأحد هذه الشؤون اكتسى هذه الهيبة، وهذه الهيبة جديرة بأن تسمّى الهيبة المصطنعة.

وقد تكون للمرء من دون أن يُحاط بجيش وخدم وعشيرة ودولة وإِمرة وكبرياء، تلك الهيبة التي لا تكون باللباس المستعار، بل هي التي يفيضها اللّه تعالى على من يشاء من عباده، تلك الهيبة التي لا يزيلها التواضع وحسن الخُلق والانبساط، تلك التي يلبسها العلم والعمل به، من أراد عِزَّاً بلا عشيرة وهيبةً بلا سلطان، فليخرج من ذلّ معصية اللّه إلى عِزّ طاعته، وإِن مَن خاف اللّه أخاف منه كلّ شيء، ومن لم يخف اللّهَ أخافه من كلّ شيء، وهذه الهيبة جديرة بأن تسمّى الهيبة الذاتيّة.

لقد كان المنصور صاحب تلك الهيبة المصطنعة، ومن أوسع منه مُلكاً، وأكثر جنداً، وأقوى فتكاً؟ ولكنه كان إذا نظر إلى جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) وهو عازم على قتله هابه وانثنى عن عزمه.

يقول المفضّل بن عمر: إِن المنصور قد همّ بقتل أبي عبد اللّه (عليه السلام) غير مرّةً فكان إذا بعث إليه ودعاه ليقتله فإذا نظر إليه هابه ولم يقتله[18].

ولا تختلف هذه الهيبة لأبي عبد اللّه (عليه السلام) باختلاف الناس معه، فإن كلّ واحد يشعر من نفسه بتلك الهيبة له، سواء الوليّ والعدوّ، والمؤالف والمخالف، فهذا هشام بن الحكم كان جهميّاً قبل أن يقول بالإمامة، ولمّا التقى بالصادق (عليه السلام) في صحراء الحيرة سكت وأطرق هيبةً وإِجلالاً وهو اللّسن المفوّه، فأحسّ أن هذه الهيبة هي الهيبة التي يجلّل اللّه بها أنبياءه وأوصياءهم (عليهم السلام).

وهذه الهيبة التي أحسّها هشام يوم كان جهميّاً كان يحسّها يوم كان إِماميّاً، وكانت بين هشام وبين عمرو بن عبيد مناظرة في الإمامة، وقد قصد هشام عَمراً إلى البصرة، فسأله الإمام عمّا كان بينهما ليحكي له ما كان، فقال هشام: يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) إِني أجلّك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك.

وهذا ابن أبي العوجاء مع إِلحاده كان أحياناً يحجم عن مناظرة الصادق (عليه السلام) لتلك الهيبة، فإنه حضر يوماً لمناظرة الصادق، ولكنه بعد أن جلس سكت، فقال له الصادق (عليه السلام): فما يمنعك من الكلام ؟ قال: إِجلال لك ومهابة، ما ينطق لساني بين يديك، فإني شاهدت العلماء، وناظرت المتكلّمين فما تداخلني هيبة قط مثلما تداخلني من هيبتك.[19]

نشاطه (عليه السلام) السياسي:

خلافا للتصور السائد، فإن حركة الإمام الصادق (عليه السلام) لم تتوقف عند حدود العلم والتعليم بما لذلك من حركة عظيمة وكبيرة، بل شملت جميع مناحي الحياة ومنها السياسية، ولكنَّ هذه الحركة قد خفيت على الكثيرين، ولأجل دحض هذا التصور الواهي نورد بعض نشاطاته (عليه السلام) السياسية:

جرت في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) حوادث سياسية مهمة، كان من جملتها ثورات العلويين، كثورة زيد الشهيد سنة 122 هجرية، وثورة محمد بن عبد الله بن الحسين سنة 145 وأخيه إبراهيم سنة 146 هجرية، وثورة العباسيين التي أعقبها سقوط حكومة الأمويين وتولي بني العباس سدَّة الخلافة.

أما جذور الخلاف بين العباسيين والعلويين، فكانت ترجع إلى قبل ذلك بفترة، وهنا لا يسعنا تناول جميع القضايا السياسية والدينية المهمة التي قام بها العلويون والعباسيون منذ بداية القرن الأول الهجري وحتى استشهاده (عليه السلام)، ولكن سنتعرض لبعض تلك القضايا والحوادث التي كان لها ارتباط بالإمام الصادق (عليه السلام).

ثورة زيد الشهيد:

زيد بن علي بن الحسين، أخ الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، وبما أن الإمام الباقر (عليه السلام) كان يتمتع بمكانة علمية وروحية مرموقة بين المسلمين، فقد لاقى زيد وثورته مقبولية واسعة عند المجتمع، فإضافة إلى كونه علويا فقد كان من جملة المحدثين، وهذا ما جعله مورد اهتمام أهل العراق.

تصدّى الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) لموقع الإمامة بعد أبيه محمد الباقر (عليه السلام) سنة (114 أو 117 هجرية) فكان مرجعاً في الدين والسياسة والفكر والثقافة للمسلمين عامة، ولأتباع أهل البيت (عليهم السلام) خاصة.

وفي أواخر العقد الثاني من القرن الثاني، وبعد سلسلة من المشادات الكلامية والخلافات بين زيد وهشام بن عبد الملك، قرر زيد القيام بثورة عارمة في الكوفة في شهر صفر سنة 122 هجرية، وبعد معركة شرسة دامت يومين استشهد زيد رحمه الله، وما يهمنا هنا هو موقف الإمام الصادق (عليه السلام) من خروج زيد.

فعلى ضوء الروايات الشيعية الواردة، فإن زيدا كان معتقدا وتابعا لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) فقد روي عنه أنه قال: «جعفر إمامنا في الحلال و الحرام».[20]

ومن خلال جملة من الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) نلمس أن زيدا الشهيد وثورته كانت تحضى بتأييدهم، كما في رواية عن الصادق (عليه السلام) حيث يقول في زيد:

رحمه الله، أما أنَّه كان مؤمناً و كان عالما وكان صدوقاً، أما أنّه لو ظفر لوفى، أما أنَّه لو ملك يعرف كيف يَضَعُها.

لقد ثار زيد على حكومة بني أمية، حيث كانوا يمثلون رمز الجاهلية والطغيان، فكان هذان الخطان - خط الخير وخط الشر - يتصارعان منذ ثمانين عاما على خلافة المسلمين.

لقد أخبر الصادق (عليه السلام) بأن زيدا سوف يستشهد في كناسة الكوفة[21]، لقد كان موقفه (عليه السلام) مؤيدا لزيد رحمه الله، وذلك حين تبرأ قوم من زيد، فإذا بالإمام يعلن تأييده لزيد[22]، علما أن هاتين الروايتين قد رويتا في مصادر السنة.

الإمام (عليه السلام) ودعوة أبي سلمة الخلال:

لقد كانت الأولوية عند الإمام الصادق (عليه السلام) هي بانتهاج سياسة ثقافية نحو تربية أصحابه فقهيا وروائيا و... ليحفظوا وينقلوا تراث الإسلام الأصيل للأجيال، لقد كان موقف الإمام السياسي تجاه النظام السائد آنذاك يتلخص في الامتعاض من ممارسات الحكومة، وإظهار عدم مشروعيتها وأن الإمامة والخلافة منحصرة بآل الرسول الأطهار (عليهم صلوات الله).

فمن وجهة نظر الإمام الصادق (عليه السلام) أن القيام بعمل عسكري منظم دون وجود مقدماته اللازمة والتي من أهمها العمل الثقافي والتوعوي، سيحكم عليه بالفشل والخذلان لا محال، ومن خلال هذا البرنامج يمكن القيام بثورة موالية لأهل البيت (عليهم السلام) تعتقد بالإمامة وتنصاع لأوامرها، وسيكتب لها النجاح والنصر المؤزر، وبدون ذلك فإن القيام بعمل عسكري سيمنى بالفشل وسيعطي الذريعة للمتربصين بآل البيت (عليهم السلام) وبشيعتهم لقتلهم والتنكيل بهم، كما حصل في ثورة زيد بن علي ومن بعده يحيى بن زيد في خراسان، حيث استغل بنو العباس الثورة وخدعوا الناس بشعار الرضا من آل محمد.

لقد كانت الدعوة إلى بني العباس تتم من خلال شخصيتين مهمتين هما: أبو سلمة الخلال والذي عرف بوزير آل محمد[23] وأبو مسلم الخراساني.

ومن الواضح والجلي، أن معنى شعار الثورة الذي رفعه بنو العباس في بداية ثورتهم كان الرضا من آل محمد؛ أي أن يتولى سدة الحكم والخلافة شخص من العلويين وتحديدا من آل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ولكن بني العباس خدعوا الناس واستحوذوا على الثورة الشعبية العارمة وصادروها لأنفسهم.

وحتى آخر الأيام، فقد كان تدبير شؤون العراق بيد أبو سلمة الخلال في الكوفة، وكان السفاح والمنصور تحت اشرافه، وبمجرد سقوط الأمويين أخذ أبو سلمة البيعة من الناس للسفاح، ولكن لم تمر الأيام إلا وانقلب الأمر عليه واتهم بدعوته للعلويين ودعمه لهم لتولي سدة الحكم بدل بني العباس، فقتل فورا.

وكانت القضية كالتالي، حينما كتب أبو سلمة كتابا للصادق (عليه السلام) وشخصين آخرين داعيا إلى أخذ البيعة للعلويين بدل العباسيين، ولكن الإمام الصادق (عليه السلام) لم يُعر لمثل هذه الدعوة أي أهمية، حيث قال ردَّاً على كتابه أن أبا سلمة شيعة لغيري. [24]

وجاء في رواية أخرى أن أبا مسلم كتب أيضا كتابا للصادق (عليه السلام) يدعوه للحكم فكتب مولانا الصادق (عليه السلام): «ما أنت من رجالي، ولا الزمان زماني».[25]

موقفه (عليه السلام) من المنصور:

لقد عايش الإمام الصادق (عليه السلام) في آخر حياته المباركة حكومة المنصور الدوانيقي، وكان الإمام من أبرز شخصيات بني هاشم في عصره[26]، وكان ذائع الصيت يقصده الفقهاء والمحدثون من جميع البقاع والأصقاع، ومن الطبيعي أن المنصور كان يضمر للعلويين وشخص الإمام بالخصوص الحقد والحسد، ولذا وضع الإمام تحت المراقبة الشديدة محددا حركته (عليه السلام)، فكان الإمام يعرِّف الناس أن الخلافة حق حصري لآل النبي الطاهرين (صلوات الله عليهم) وأن مَن يتقدم على هذا الحق فهو غاصب ومتجاوز، فكان أصحابه وشيعته يعتقدون عقيدة راسخة أنه (عليه السلام) إماما منصوبا من قبل الله مفترض الطاعة، ففي حديث عن مولانا الصادق (عليه السلام) يقول فيه:

«بُني الاسلام على الخمس، على الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم والولاية، قال زرارة: فقلت: أي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل؛ لأنها مفتاحُهُنْ والوالي هو الدليل عليهن».[27]

فنرى في هذه الرواية أن الإمام يصرح أن الولاية هي أساس سائر الأصول فكل شيء يتوقف على الولاية، فمن الطبيعي أن يحس المنصور بهذا الخطر المحدق! ولذا فقد كان يتحين الفرص للإيقاع بالإمام وبأي ثمن كان، فكما يروي ابن عنبة أن المنصور الدوانيقي عزم على قتل الإمام أكثر من مرَّة، ولكن الله تعالى كان هو الحافظ. [28]

وكانت جُلّ تحركات الإمام (عليه السلام) سرية، فنرى أنه يوصي أصحابه بكتمان وحفظ أسرار آل محمد (عليهم السلام) كما تشير إلى ذلك روايات عديدة.[29]

لقد كان الإمام (عليه السلام) يمتنع من الحضور في بلاط المنصور، باستثناء تلك الموارد الخاصة، حتى أن المنصور انتبه أنه منبوذ من قبل الإمام الصادق (عليه السلام). [30]

فكتب المنصور إلى جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) : «لِمَ لا تَغشانا كما يغشانا سائر الناس؟» فأجابه (عليه السلام) : «ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنّئك، ولا تراها نقمة فنعزّيك بها، فما نصنع عندك؟».[31]

فكان الإمام يبرز عدم رضاه عن النظام القائم آنذاك بأمثال هذه الأساليب.

الإمام الصادق (عليه السلام) وذو النفس الزكية:

يرجع نشوء الخلافات بين أبناء الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) عندما قال عبد الله بن الحسين بن الحسن أن ابنه محمد هو قائم آل محمد[32] وقد عرف بمحمد ذي النفس الزكية، ثم ازدادت هذه الخلافات شدة، فاستغلها بنو العباس وساهموا في إذكاء نارها، فمن خلال ما هو متوفر من معلومات حول نمط وأسلوب عمل العباسيين يمكننا الجزم بوجود أصابع خفية للعباسيين ساهمت في هذه القضية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن العباسيين لم يكونوا يتوقعون آنذاك الحصول على السلطة، فكانوا راضون بما يحققونه من خلال الاشتراك بحركة ذي النفس الزكية.

فقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني بشكل مفصل بيعة العلويين والعباسيين لمحمد ذي النفس الزكية، وحسب ما ذكر فإن عددا من العباسيين قد حضر هذه البيعة فكان منهم: داوود بن علي، وإبراهيم الإمام، وصالح بن علي، والمنصور، والسفاح.

وعندما كان يُذكر الإمام الصادق (عليه السلام) في ذلك المجلس، كان عبد الله بن الحسين وهو والد محمد ذي النفس الزكية يقول: «لا نريد جعفراً لئلاّ يفسد عليكم أمركم».

عندها أعلن الإمام (عليه السلام) مخالفته لهذه الفتنة، فاعتبرها عبد الله بن الحسين مخالفة بدافع من الحسد والغيرة. [33]

بعد ذلك، لم تفلح هذه البيعة بشيء، عندها نجح العباسيون في الاستيلاء على السلطة، فثار محمد ذو النفس الزكية في المدينة سنة 145 هجرية، ولكن سرعان ما قتل بواسطة رجال المنصور، كما ثار من بعده أخوه إبراهيم في البصرة سنة 146 هجرية فقتل هو الآخر.

وخلال ثورة محمد ذي النفس الزكية في المدينة فقد خرج الإمام الصادق (عليه السلام) منها، وذهب إلى منطقة الفُرع على طريق المدينة ومكة، وبعد انتهاء الأمر عاد إلى المدينة. [34]

وقبل ذلك فقد سأل المنصور الإمام الصادق بخصوص فتنة عبد الله بن الحسن وابنه محمد، فأخبره الإمام الصادق (عليه السلام) بوجود خلافات بينه وبينهم، ثم تلى هذه الآية الشريفة:

«لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ، وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ».[35]

مشيرا إلى أن هذه الحركة لا تحضى بدعم عامة الناس. [36]

استشهاد الإمام الصادق (عليه السلام):

في يوم من الأيام أمر المنصور وزيره الربيع قائلا: ابعث إلى جعفر بن محمّد من يأتينا به.

فأرسل إليه الربيع، فلما حضر، قال: ... اتخذك أهل العراق إماماً يجبون إليك زكاة أموالهم وتلحد في سلطاني وتتبع لي الغوائل، قتلني الله إن لم أقتلك.

ثم هدأ غضب المنصور فجأةً..!

فقال: ...يا أبا عبد الله إن فلاناً أخبرني عنك بما قلت لك.

فقال (عليه السلام): أحضره .. ليوافقني على ذلك.

فأحضر الرجل الذي سعى به إلى المنصور.

فقال المنصور: حقاً ما حكيت لي عن جعفر؟

فبادر الرجل وقال: والله العظيم الذي لا اله إلا هو عالم الغيب والشهادة الواحد الأحد.

وأخذ يعدد في صفات الله تعالى.

فقال (عليه السلام): قل برئت من حول الله وقوّته والتجأت إلى حولي وقوّتي، لقد فعل جعفر كذا وكذا.

فامتنع الرجل، فنظر إليه المنصور نظرة منكرة.

فقال الرجال ذلك، فما كان بأسرع من أن ضرب برجله الأرض وخرّ ميتاً مكانه.

فقال المنصور: جروا برجله وأخرجوه.

ثم قال: لا عليك يا أبا عبد الله أنت البريء الساحة، والسليم الناحية، المأمون الغائلة...

قال الربيع: يا أبا عبد الله رأيتك تحرك شفتيك وكلما حركتهما سكن غضب المنصور، بأي شيء كنت تحركهما؟

قال (عليه السلام): بدعاء جدي الحسين.

قلت: وما هو يا سيدي؟

قال (عليه السلام): اللهم يا عدتي عند شدتي، ويا غوثي عند كربتي، احرسني بعينك التي لا تنام واكنفني بركنك الذي لا يرام، وارحمني بقدرتك علي فلا أهلك وانك رجائي. اللهم انك أكبر وأجل وأقدر مما أخاف وأحذر، اللهم بك أدرأ في نحره وأستعيذ من شره انك على كل شيء قدير.[37]

 حرق دار الإمام (عليه السلام):

عن المفضل بن عمر قال وجَّه أبو جعفر المنصور إلى الحسن بن زيد وهو واليه على الحرمين (مكة والمدينة) أن أحرق على جعفر بن محمد داره، فألقى النار في دار أبي عبد الله فأخذت النار في الباب والدهليز، فخرج أبو عبد الله عليه السلام يتخطى النار ويمشي فيها ويقول: «اَنَا بنُ اَعراقِ الثَّرى اَنا بنُ اِبراهِيمَ خَليلِ اللهِ».

 خطة قتل الإمام (عليه السلام):

عندما لم يستطع المنصور الدوانيقي أن يوقف الإمام ولا أن يتحمل عظمته وجلالة قدره عند الناس، خطط لاغتياله بالسم، ولا يفوتنا أن بني العباس تعلموا الدرس جيدا من أقرانهم بني أمية في كيفية اغتيال أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالسم، فقد أوعز المنصور إلى واليه على المدينة باغتيال الإمام بواسطة عنب مسموم، وبعد ذلك احتال لخداع الناس بتأبين الإمام والبكاء عليه، حيث لا شك ولا ريب في أن المنصور هو الذي اغتال الإمام فقد صرح غير مرة بأن الإمام (عليه السلام) كأنه عظم في حلقه.

ففي بحار الأنوار نقلا عن الفصول المهمة ومصباح الكفعمي وغيره من الكتب أن الإمام توفي اثر تناول السم[38]، ونقل ابن شهر آشوب في المناقب أن المنصور دس السم للصادق (عليه السلام) فقتله. [39]

لقد كان المنصور يحقد بشدة على الإمام الصادق (عليه السلام) لما كان يتمتع به من مكانة اجتماعية وسياسية وروحية بين الناس، فكل من قرأ تاريخ المنصور الدوانيقي علم أنه كان يتوحش تجاه كل من يتوهم أنه سيهدد ملكه وحكومته، كما فعل بأبي مسلم الخراساني الذي قدم إليه خدمات كبيرة، فقتله شر قتلة!

تاريخ شهادة الإمام (عليه السلام):

اختلفت الروايات في شهادة الإمام و في أي شهر هي ، فبعضها أشارت إلى الخامس والعشرين من شوال، والبعض الآخر أشار إلى النصف من رجب، لكنَّ رواية الخامس والعشرين من شوال أكثر شهرة، نعم اتفق المؤرخون الشيعة والسنة أن سنة وفاته كانت عام 148 هجرية، كما أن المؤرخين الشيعة يجمعون على أنه توفي أثر السم الذي دسه إليه والي المدينة بأمرٍ من المنصور العباسي.

فقد روى الكفعمي في المصباح أن الإمام (عليه السلام) توفي بسم دس إليه في عنب، وممن رووا من السنة أن الإمام توفي أثر السم: صاحب كتاب إسعاف الراغبين، ونور الأبصار، وتذكرة الخواص، والصواعق المحرقة وغيرهم..

وروى الكليني بسنده عن أبي أيوب النحوي أنه قال: بعث إلي أبو جعفر المنصور في جوف الليل فأتيته فدخلت عليه وهو جالس على كرسي وبين يديه شمعة وفي يده كتاب، قال: فلما سلمت عليه رمى بالكتاب إلي وهو يبكي.

فقال لي: هذا محمد بن سليمان يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات، فانا الله وإنا إليه راجعون ـ ثلاثاُ ـ وأين مثل جعفر؟

ثم قال لي: اكتب، قال: فكتبت صدر الكتاب، ثم قال: أكتب إن كان أوصى إلى رجل واحد بعينه فقدمه واضرب عنقه قال: فرجع إليه الجواب أنه قد أوصى إلى خمسة وأحدهم أبو جعفر المنصور ومحمد بن سليمان وعبد الله وموسى وحميدة..[40]

وعن اليعقوبي أنه قال: قال إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس: دخلت على أبي جعفر المنصور يوماً.. فقال لي: ما علمت ما نزل بأهلك؟ فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: فان سيدهم وعالمهم وبقية الأخيار منهم توفي، فقلت: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: جعفر بن محمّد... فقال لي: إن جعفراً كان ممن قال الله فيه (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) وكان ممن اصطفى الله وكان من السابقين بالخيرات.[41]

وعن ابن فضال أنه قال: دخلت على أم حميدة أعزيها بأبي عبد الله عليه السلام فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) عند الموت لرأيت عجباً، فتح عينيه ثم قال: اجمعوا لي كل من بيني وبينه قرابة.

قالت: فلم نترك أحداً إلا جمعناه، قالت: فنظر إليهم، ثم قال: إن شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة.

روى الشيخ الكليني عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام انه قال: أنا كفنت أبي في ثوبين شطويين (مصريين) كان يحرم فيهما، وفي قميص من قمصه، وفي عمامة كانت لعلي بن الحسين عليه السلام، وفي برد اشتراه بأربعين دينارا. [42]

من وصيته (عليه السلام) لولده الإمام موسى الكاظم (عليه السلام):

جاء في وصيته (عليه السلام) لولده الإمام موسى الكاظم (عليه السلام):

يا بني: اقبل وصيتي واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها، تعيش سعيدا وتموت حميدا..

يا بني: من قنع بما قُسم له استغنى، ومن مد عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، ومن لم يرض بما قسم الله له اتهم الله في قضائه، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه.

يا بني: من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن احتفر بئرا لأخيه سقط فيه، ومن داخل السفهاء حُقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم.

يا بني: إياك أن تزري بالرجال فيزري بك، وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتذل لذلك، يا بني، قل الحق لك وعليك، تستشار من بين أقربائك.

يا بني: كن لكتاب الله تاليا، وللسلام فاشيا، وللمعروف آمرا، وعن المنكر ناهيا، ولمن قطعك واصلا، ولمن سكت عنك مبتدئا، ولمن سألك معطيا، وإياك والنميمة، فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال، وإياك والتعرض لعيوب الناس، فمنزلة المتعرض لعيوب الناس كمنزلة الهدف.

يا بني: إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه، فإن للجود معادن، وللمعادن أصولا، وللأصول فروعا، وللفروع ثمرا، ولا يطيب ثمر إلا بفرع، ولا فرع إلا بأصل، ولا أصل ثابت إلا بمعدن طيب.

يا بني: إذا زرت فزر الأخيار، ولا تزر الفجار، فإنهم صخرة لا يتفجر ماؤها، وشجرة لا يخضر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها».[43]

وروي أن إمامنا الصادق (عليه السلام) قال حين وفاته وعروج روحه إلى ربه:

«آمَنتُ بِاللهِ، وَ کَفَرتُ بِالطَّاغُوتِ، اللّهمَّ احفَظني فِي مَنامي وَ يَقظَتي».[44]

بعض وصايا الإمام الصادق (عليه السلام) لشيعته[45]

وصيته لزيد الشحام:

قال زيد الشَّحام : قال لي أبو عبد اللّه عليه السلام :

اقرأ من ترى أنه يطيعني منكم ويأخذ بقولي السلام، وأوصيكم بتقوى اللّه عزّ وجلّ والورع في دينكم، والاجتهاد للّه، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السجود، وحُسن الجوار، فبهذا جاء محمّد صلّى اللّه عليه وآله .

أدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها برَّاً أو فاجراً، فإن رسول اللّه كان يأمر بأداء الخيط والمخيط، صِلوا عشائركم، واشهدوا جنائزهم، وعُودوا مرضاهم، وأدّوا حُقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدقَ الحديث وأدَّى الأمانة وحسُنَ خُلقه مع الناس قيل: هذا جعفري، ويسرّني ذلك، ويُدخل عليّ منه السرور، وقيل: هذا أدب جعفر، وإِذا كان غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه وعارُه وقيل: هذا أدب جعفر، فو اللّه لحدّثني أبي أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي عليه السلام فيكون زينها، أدَّاهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، إليه وصاياهم وودائعهم، تُسئل العشيرة عنه، ويقولون: من مثل فلان؟ إِنّه أدّانا للأمانة، وأصدقنا للحديث.[46]

وصيته (عليه السلام) لمؤمن الطاق:

نقتطف من وصيّته لمؤمن الطاق زهراً غضة، قال (عليه السلام):

يا ابن النعمان: إِيّاك والمراء فإنه يحبط عملك، وإِيّاك والجدال فإنه يوبقك، وإِيّاك وكثرة الخصومات فإنها تبعد من اللّه، إِن من كان قبلكم يتعلّمون الصمت وأنتم تتعلّمون الكلام، كان أحدهم إذا أراد التعبّد يتعلّم الصمت قبل ذلك بعشر سنين، فإن كان يحسنه ويصبر عليه تعبّد، وإِلا قال: ما أنا لِما أروم بأهل، إِن ما ينجو من أطال الصمت عن الفحشاء، وصبر في دولة الباطل على الأذى، أولئك النجباء الأصفياء الأولياء حقاً وهم المؤمنون، واللّه لو قدّم أحدكم ملء الأرض ذهباً على اللّه ثمّ حسد مؤمناً لكان ذلك الذهب ممّا يُكوى به في النار .

يا ابن النعمان: من سئل عن علم فقال : لا أدري فقد ناصف العلم ، والمؤمن يحسد في مجلسه فإذا قام ذهب عنه الحقد .

يا ابن النعمان: إِن أردت أن يصفو لك ودّ أخيك فلا تمازحنّه ولا تمارينّه ولا تباهينّه ولا تشارنَّه، لا تطلع صديقك من سرّك إِلا على ما لو اطّلع عليه عدوّك لم يضرّك، فإن الصديق قد يكون عدوّك يوماً .

يا ابن النعمان: ليست البلاغة بحدَّة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى وقصد الحجّة.[47]

وصيّته (عليه السلام) لحمران بن أعين:

قال (عليه السلام) لحمران بن أعين:

يا حمران: انظر إلى من هو دونك، ولا تنظر إِلى من هو فوقك في المقدرة؛ فإن ذلك أقنع لك بما قُسم لك، وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربّك.

واعلم: أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند اللّه من العمل الكثير على غير يقين.

واعلم: أنه لا ورع أنفع من تجنّب محارم اللّه والكفّ عن أذى المؤمنين واغتيابهم، ولا عيش أهنأ من حسن الخُلق، ولا مال أنفع من القنوع باليسير المجزي، ولا جهل أضرّ من العجب.[48]

وصيّته (عليه السلام) للمفضّل بن عمر:

قال (عليه السلام) في وصيته للمفضّل بن عمر:

أوصيك ونفسي بتقوى اللّه وطاعته، فإن من التقوى الطاعة والورع والتواضع للّه والطمأنينة والاجتهاد والأخذ بأمره والنصيحة لرُسله، والمسارعة في مرضاته، واجتناب ما نهى عنه، فإن من يتّقِ اللّه فقد أحرز نفسه من النار بإذن اللّه وأصاب الخير كلّه في الدنيا والآخرة، ومن أمر بتقوى اللّه فقد أفلح الموعظة، جعلنا اللّه من المتّقين برحمته.[49]

وصيّته (عليه السلام) لجميل بن درّاج:

قال (عليه السلام) في وصيته لجميل بن درّاج :

خياركم سمحاؤكم وشراركم بخلاؤكم، ومن صالح الأعمال البرّ بالإخوان والسعي في حوائجهم، وذلك مرغمة للشيطان وتزحزح عن النيران ودخول في الجنان.

يا جميل: أخبر بهذا الحديث غُرر أصحابك.

فقلت له: جعلت فداك، ومَن غُرر أصحابي ؟

قال (عليه السلام): هُم البارُّون بالإخوان في العُسر واليُسر. [50]

وصيّته (عليه السلام) للمعلّى بن خنيس:

قال للمعلّى بن خنيس وقد أراد سفراً:

يا معلّى: أعزز باللّه يعززك.

قلت: بماذا يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ؟

قال (عليه السلام):

يا معلّى: خف اللّه تعالى يخف منك كلّ شيء .

يا معلّى: تحبّب إلى إخوانك بصلتهم، فإن اللّه تعالى جعل العطاء محبّة، والمنع مبغضة، فأنتم واللّه إن تسألوني وأعطيكم أحبّ إليّ من ألا تسألوني فلا أعطيكم فتبغضوني، ومهما أجرى اللّه عزّ وجل لكم من شيء على يدي فالمحمود هو اللّه تعالى، ولا تبعدون من شكر ما أجرى اللّه لكم على يدي.[51]

وصيّته (عليه السلام) لسفيان الثوري:

قال سفيان: لقيت الصادق ابن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، فقلت : يا ابن رسول اللّه أوصني.

فقال لي (عليه السلام):

يا سفيان: لا مروَّة لكذوب، ولا أخٌ لملول، ولا راحة لحسود، ولا سؤدد لسيّء الخُلق .

فقلت : يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله زدني.

فقال لي (عليه السلام):

يا سفيان: ثق باللّه تكن مؤمناً، وارض بما قسم اللّه لك تكن غنيّاً، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً، ولا تصحب الفاجر يُعلّمك من فُجوره، شاور في أمرك الذين يخشون اللّه عزّ وجل.

فقلت : يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله  زدني .

فقال لي :

يا سفيان: من أراد عِزَّاً بلا عشيرة، وغِنىً بلا مال، وهيبةً بلا سلطان، فلينتقل من ذُلّ معصية اللّه إلى عِزّ طاعته.[52]

 

[1]. كشف الغمة: ج2، ص155.

[2]. ذهب بعض المحققين إلى أن سنة 80 هجرية أقرب التواريخ للصواب، على الرغم من وجود روايتين الأولى تذكر سنة 83 والثانية سنة 77 هجرية.

[3]. كشف الغمة: ج2، ص166.

[4]. الإرشاد: ج2، ص174.

[5] . كشف الغمة: ج2، ص186. حلية الأولياء: ج3، ص199-198.

[6] . تهذيب التهذيب: ج‏2، ص‏105.

[7] . تهذيب التهذيب: ج‏2، ص‏105.

[8] . أعيان الشيعة: ج‏4، ص‏138.

[9] . بحار الأنوار: ج 47، ص 59.

[10] . الإمام الصادق، للمظفر: ج‏1، ص‏258.

[11] . الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ج‏2، ص‏53.

[12] . الإمام الصادق، محمّد أبو زهرة: ص‏81.

[13] . سورة الرعد: الآية21.

[14] . الإمام الصادق، للمظفر: ج‏1، ص‏255.

[15] . جمع ابن عقدة الزيدي أسماء الرواة الذي رووا عن الصادق (عليه السلام) فبلغ عددهم أربعة الآف راوي، وقد زاد على هذا العدد ابن الغضائري مضيفا على ما ذكره ابن عقدة.

[16] . حلية الأولياء: ج‏3، ص‏199.

[17] . بحار الأنوار: ج 47، ص 49.

[18] . مناقب ابن شهر آشوب: ج 4، ص 238.

[19] . توحيد الصدوق: ص 296.

[20] . رجال النجاشي: ص 130. كفاية الأثر: ص 327ز وأنظر أيضا: سيرة وقيام زيد بن علي (فارسي) ، لحسين كريمان: ص 49 وما بعده.

[21] . عيون أخبار الرضا: ج 1، باب 25. أمالي الصدوق، المجلس 10: ص 40. تنقيح المقال: ج 1، ص 468. سيره وقيام زيد بن علي (فارسي): ص 168.

[22] . خطط المقريزي: ج 4، ص 307. نامه دانشوران (فارسي): ج 5، ص 92. فوات الوفيات: ج 1؛ ص 210.

[23] . الوزراء والكتاب: ص 84. فكان هو وأبو مسلم يعدّون من الموالي.

[24] . مروج الذهب: ج 3، ص 269. الوزراء والكتاب: ص 86.

[25] . حياة الإمام الرضا: ص 49.

[26] . شذرات الذهب: ج 1، ص 220. جهاد الشيعة: ص 104.

[27] . وسائل الشيعة: ج 1، ص 8 7.

[28] . عمدة الطالب في انساب آل أبي طالب: ص 195.

[29] . مستدرك الوسائل: ج 12، ص 203 وص291.

[30] . مستدرك الوسائل: ج 12، ص 307.

[31] . كشف الغمة: ج 2، ص 208- 209. الإمام الصادق (عليه السلام): ص 141.

[32] . مقاتل الطالبيين: ص 141.

[33] . مقاتل الطالبيين: ص40- ص41. سيره وقيام زيد بن علي (فارسي): ص 75 نقلا عن الإرشاد: ص 277 وص276. أعلام الورى (الترجمة الفارسية): ص 384 ، ص383. الإمام الصادق: ص 56 نقلا عن الاحتجاج. كشف الغمة: ج 2، ص173 و ص172. وانظر أيضا: تاريخ الطبري: ج 7، ص 302، طبعة عز الدين.

[34] . كشف الغمة: ج 2، ص 162.

[35] . سورة الحشر: الآية 12.

[36] . نثر الدر: ج 1، ص 355.

[37] . کشف الغمة: ج2، ص168.

[38] . بحار الأنوار: ج 47، ص1 - 2.

[39] . المناقب: ج 4، ص 280.

[40] . أصول الکافي: ج 1، ص 310.

[41] . سورة فاطر: الآية 32. تاريخ اليعقوبي: ج 3، ص 117.

[42] . أصول الکافي: ج 1، ص 476.

[43] . حلية الأولياء: ج 3، ص 195. صفة الصفوة: ج 2، ص 170.

[44] . الكليني، الکافي، الطبعة الخامسة، طهران، مطبعة إسلامية، 1363 ش: ج2، ص 536.

[45] . صفحاتي از زندگاني امام جعفر صادق (عليه السلام) (فارسي)، للمظفر: ص 391 – 395.

[46] . أصول الکافي: ج 2، ص 636.

[47] . روضة الکافي: ص 288.

[48] . روضة الکافي: ص 244.

[49] . بصائر الدرجات: ص 526.

[50] . سورة الحشر: الآية 9. الخصال: ص 96.

[51] . مجالس الشيخ الطوسي: المجلس 11.

[52] . بحار الأنوار: ج 78، ص 192.