")
الامام محمد التقي الجواد(عليه السلام)

 

قبس من حياة جواد الأئمة الإمام محمد التقي (عليه السلام)

 

ناهز الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) السابعة والأربعين، وأشارت عقارب التاريخ لسنة 195 من الهجرة النبوية، ولم يولد لحد الآن الإمام التاسع من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

لقد أقلقت قضية الخلافة من بعد الإمام الرضا (عليه السلام) مختلف أصحابه وشيعته، ووصل هذا القلق الى أوجه حينما ظهرت الفرقة الواقفية، التي قالت بغيبة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وذلك بدواعي مادية لأجل الاستحواذ على سهم الإمام دون الرجوع إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، حيث كانوا يستدلون لإثبات ادعائهم الموهوم بعدم وجود خلف للإمام الرضا (عليه السلام).

ووصلت الجرأة بأحدهم إلى أن يكتب للإمام الرضا (عليه السلام) كتابا يقول فيه:

- كيف تكون اماماً وليس لك ولد؟

فأجابه أبو الحسن الرضا (عليه‌‏ السلام):

- وما علمك انه لا يكون لي ولد؟واللّه‏ لا تمضي الأيام والليالي حتى يرزقني اللّه‏ ذكراً يفرق بين الحق والباطل.[1]

البشارة بولادة الإمام الجواد (عليه السلام):

أشرقت أرض مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) بولادة الإمام أبي جعفر محمد الجواد (عليه السلام) سنة 195 للهجرة النبوية الشريفة في شهر رمضان المبارك[2] أو شهر رجبٍ الأصب[3].

وقد طلب مولانا الرضا (عليه السلام) من أخته السيدة حكيمة أن تكون حاضرةً تُعين زوجته الخيزران في ولادتها، حيث سيولد في هذه الليلة الإمام من بعده (عليه السلام).

تقول السيدة حكيمة بنت الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام):

لمّا حضرتُ ولادة الخيزران أمّ أبي جعفر (عليه السلام) دعاني الرضا (عليه السلام) فقال لي:يا  حكيمة احضري ولادتها وادخلي وإيّاها والقابلة بيتاً.

 ووضع لنا مصباحاً وأغلق الباب علينا, فلمّا أخذها الطلق طفى المصباح وبين يديها طست فاغتممت بطفي المصباح، فبينا نحن كذلك إذ بدر أبو جعفر (عليه السلام) في الطست وإذا عليه شيء رقيق كهيئة الثوب يسطع نوره حتّى أضاء البيت فأبصرناه, فأخذته فوضعته في حجري ونزعت عنه ذلك الغشاء, فجاء الرضا (عليه السلام) ففتح الباب وقد فرغنا من أمره، فأخذه فوضعه في المهد وقال لي: يا حكيمة الزمي مهده.[4]

كنيته وألقابه:

أسمه سلام الله عليه (محمد) وكنيته أبو جعفر (وهي كنية جدِّه الإمام الباقر (عليه السلام) ويُقال له أبو جعفر الثاني تمييزاً له منه)، وأما كنيته الخاصّة فأبو علي (صلوات الله عليه).

وأما ألقابه فكثيرة، منها: المختار، المتوکّل، المتّقي، الزکيّ، التقي، المُنتَجَب، المرتضى، القانِع، الجواد والعالِم.

وقد لقب بالجواد (وهو أشهر ألقابه) لشدة سخائه وجوده (عليه السلام) كما كان يعرف بابن الرضا (عليهما السلام).

نسبه الشريف:

جواد الأئمة هو ابن ثامن الحجج الإمام علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (عليهم صوات الله)، أما والدته فهي سيدة شريفة تقية من أهل بيت مارية القبطية زوجة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) أم ابراهيم بن رسول الله، وتسمى والدة الإمام الجواد بسبيكة حيث سمهاها الإمام الرضا (عليه السلام) بالخَيزُران.

زوجات وأبناء الإمام محمد التقي الجواد (عليه السلام):

أول زوجات الإمام الجواد (عليه السلام) هي سمانة المغربية[5]، وقد ذُكرت لها أسماء مثل: غزالة المغربية ومدنب[6]، أما زوجته الثانية فهي أم الفضل ابنة المأمون العباسي.

بعد غدر المأمون بالإمام الرضا (عليه السلام) انتشرت بين الناس موجة من الاستياء لذلك،فمرَّ المأمون العباسي - في ذلك الوقت - بظروف صعبة وتحديات عصيبة، ومن أجل الخلاص من هذه الأزمات لجأ المأمون العباسي لاستمالة قلوب الناس بالتودد والتقرب من آل البيت (عليهم السلام) ففرض على الإمام الجواد (عليه السلام) الزواج من ابنته أم الفضل[7]، ولم يكن للإمام منها ولد[8].

اختلفت المصادر حول عدد أبناء الإمام الجواد (عليه السلام)، حيث ذكر الشيخ الطبرسي أن للإمام الجواد ابنين وثلاث بنات، أحدهم الإمام الجواد والآخر موسى المبرقع، أما بناته: حكيمة وخديجة وأم كلثوم، وذكر بعضهم ان له بنتان هما فاطمة وأُمامة.[9]

ولكنَّ المجمع عليه دون خلاف، أن من أبناء الإمام الجواد (عليه السلام): الإمام علي الهادي (عليه السلام) والسيد موسى المبرقع.[10]

إمامة الإمام محمد الجواد (عليه السلام):

تقلَّد الإمام محمد التقي (عليه السلام) منصب إمامة المسلمين في صباه، وذلك بعد استشهاد والده، حيث صرَّحت الكثير من الروايات بإمامة الإمام الجواد (عليه السلام) من بعد والده الإمام الرضا (عليه السلام)؛ منها الأحاديث المروية عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) عند التصريح بأسماء الأئمة (عليهم السلام).[11]

ومن جملة من روى التصريح بإمامته عن الإمام الرضا (عليه السلام): علي بن جعفر، صفوان بن يحيى، معمر بن خلاد، الحسين بن بشار، ابن أبي نصر البزنطي، ابن قياما الواسطي، الحسين بن جهم أبو يحيى الصنعاني، الخيراني، يحيى بن حبيب الزيات وغيرهم كثير...[12]

حركةالإمام الجواد (عليه السلام) الثقافية والسياسية:

لقد شهد عصر الإمام الجواد نشوء الكثير من النحل والفرق المتنوعة، حيث شهد ذلك العصر انشاراً واسعاً للإسلام ودخول مختلف الثقافات والمذاهب والأديان وانتشارها بين المجتمع الإسلامي، لقد شهدت تلك الحقبة ترجمة الكثير من آثار فلاسفة اليونان، إضافة إلى ظهور التحزبات والتيارات واحتدام الصراع من أجل السلطة.

لقد تعرض الإمام الجواد (عليه السلام) كما والده الإمام الرضا (عليه السلام) لعدّة تحديات منها السياسية والفكرية والثقافية، فالشبهات التي تثيرها الفرق المنحرفة كالزيدية والواقفية والغلاة والمجسمة دعت الإمام الجواد (عليه السلام) إلى أن يتصدى بشكل واضح وقاطع دفاعاً عن ثقافة الإسلام الأصيل المتمثلة بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

فقد تصدى للفرقة الزيدية التي تقول بإمامة زيد الشهيد من بعد الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام).. عند تفسير قوله تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ»[13] وأثبت أنهم من النواصب[14].

وقد تصدى (عليه السلام) للفرقة الواقفية القائلة بغيبة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) والتي كانت تصادر الكثير من الحقوق الشرعية، واعتبرهم مصداقا لقوله تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ»[15] وأمر الشيعة بعدم الصلاة خلفهم[16].

كما تصدى (عليه السلام) للغلاة في عصره بزعامة أبي الخطاب والذي كان يرفع الإمام علي (عليه السلام) إلى مستوى الألوهية والربوبية، وقد لعن أبا الخطاب وأصحابه وكل من يتوقف أو يمتنع عن لعنهم[17]، بحيث ورد في روايةٍ أن الإمام الجواد (عليه السلام) أمر إسحاق الأنباري بقتل أبي المهري وابن أبي الزرقاء؛ وهم من زعماء الزنادقة الذين عاثوا في الأرض فسادا[18].

وقد تصدى للفرقة المجسمة التي كانت تستدل بآيات مثل: «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ»[19] و«الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى»[20]لإثبات أن لله جسم تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وأمر الشيعة بعدم الصلاة خلفهم وعدم دفع الزكاة إليهم[21].

وبعد اشتداد ملك بني العباس وسطوع نجمهم نشط المعتزلة الذين هم من الفرق الكلامية الضالة، وقد تصدى الإمام الجواد (عليه السلام) كما والده الإمام الرضا (عليه السلام) لهذه التيارات المنحرفة، وما مناظرة الإمام الجواد (عليه السلام) مع أكبر فقهاء ذلك العصر يحيى بن أكثم إلا خير دليل على ذلك، حيث أبرز الإمام الفكر الإسلامي الأصيل الذي قضَّ حصون الانحراف والجهل والضلال.

لقد كلَّف الإمام الجواد (عليه السلام) عمّاله ووكلائه لنشر فكر الإسلام الأصيل في مختلف مناطق الدولة الإسلامية، حيث انتشر وكلاءه في: الأهواز، وهمدان، والري، وسيستان، وبغداد، وواسط، والبصرة، أضافة إلى أماكن تجمع اتباع أهل البيت (عليهم السلام) في الكوفة وقم.

ومن أجل التغلغل في حكومة بني العباس فقد أوعز الإمام الجواد (عليه السلام) إلى بعض خلّص أصحابه أمثال أحمد بن حمزة القمي لقبول بعض المناصب الحكومية آن ذاك، بحيث تسنَّم بعض أصحاب الإمام عدَّة مناصب كنوح بن دراج الذي كان قاضي بغداد ثم قاضي الكوفة، أما محمد بن اسماعيل بن بزيع النيشابوري وهو من أبرز الوزراء في حكومة بني العباس فهو من ثقات الشيعة وأجلائهم، وكان على اتصال دائم بالإمام (عليه السلام) بحيث طلب منه أن يهديه قميصه ليكون مع في القبر، وبالفعلفقد أجاب عليه السلام طلبه وارسل إليه قميصه.

لقد كانت حركة الإمام الجواد (عليه السلام) التوعوية حركةً سرية، بحيث كتب (عليه السلام) كتاباً لإبراهيم بن محمد وهو من أصحابه  وأمره أن لا يفتح الكتاب ما دام يحيى بن أبي عمران حياً يرزق، وبعد سنوات توفي يحيى، ففتح ابراهيم بن محمد الكتاب فوجد فيه أمرا منه بالقيام بما كان يقوم به يحيى (رحمه الله) من مسؤوليات ومهام[22].

وهذا يدل على السرية التامة في حركة الإمام الإصلاحية في عصر حكومة بني العباس، والحفاظ على وكلائه وعماله وشيعته من كشف أنفسهم.

مناظرات الإمام الجواد (عليه السلام) العلمية:

تسنّم الإمام الجواد (عليه السلام) منصب الإمامة وهو في الثامنة من عمره[23]،وعلى الرغم من أن إمامته (عليه السلام) كان مسلَّمة وثابتة عند أكابر الشيعة وعلماءهم، ولكن هذه المسألة أدّت ببعض الشيعة إلى عدم قبول إمامته والذهاب إلى القول بإمامة غيره، في ما بقى البعض الآخر متحيرا في أمره حتى اتّضحت هذه المسألة وهي إمكان أن يتسنّم الإمام الإمامة في أيام صباه، عندها اعتقدوا بإمامته.

وهذه كان تمن المسائل والشبهات التي طرحها البعض في زمن الإمام الرضا (عليه السلام) وفي حياة الإمام الجواد (عليه السلام) وقد أجاب عنها مستشهدا بالقرآن الكريم، فقدورد في إحدى الأجوبة إشارة إلى نبوّة النبي يحيى (عليه السلام) الذي بعث للنبوة صبيا قال تعالى: «وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً».

والجواب الآخر كان كلام النبي عيسى (عليه السلام) عند ولادته وقدبين الله سبحانه في كتابه العزيز في الآية 30-32 من سورة مريم على لسان عيسى بن مريم (ع): «قالَ إِنِّي عَبْدُاللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَني‏ نَبِيًّا * وَجَعَلَني ‏مُبارَكاً أَيْنَما كُنْتُ وَأَوْصاني‏ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ مادُمْتُ حَيًّا *وَبَرًّا بِوالِدَتي‏ وَلَمْ يَجْعَلْني‏ جَبَّاراً شَقِيًّا».

من جهة أخرى فقد كانت الفرقة المعتزلة تتمتع بنفوذ قوي جداً، وبدأ الفكر المعتزلي ينتشر كالوباء بن الناس؛ وذلك بسبب الدعم المادي والمعنوي والسياسي الذي يتلقاه هذا التيار المنحرف من قبل النظام القائم آن ذاك، حيث كانت الدولة العباسية تستخدم هذا التيار لقمع وصد القوى المناوئة لها والحد من تزايدها.

فالكل يعلم أن الخط الفكري للمعتزلة يتمثل في اتكالهم المطلق على العقل البشري الضعيف، فالمعتزلة يعرضون التشريع الإسلامي وأحكامه على عقولهم القاصرة؛ فما توصلت إليه عقولهم قبلوه وما لم تدركه تركوه، وبما أن عقولهم السطحية لا تدرك أن نيل مقام الإمامة عند الصبا ممكن، بل هو حقيقة قرآنية مسلَّمة، فبدأوا بطرح الأسئلة المعقَّدة على الإمام معتقدين أنه سوف يهزم لا محال.

ولكن الإمام الجواد (عليه السلام) وبما أوتي من علم الإمامة استطاع أن يجيب على جميع أسئلتهم بكل سهولة وشموخ، دافعا بذلك أي شك وشبهة حول إمامته، وبذلك مهَّد أمر قبول الشيعة بإمامة ولده الإمام علي الهادي (عليه السلام) حيث تولى أيضاً إمامة المسلمين وهو صبي، فعلِم الناس أن الصبا لا يمنع من تولي منصب الإمامة الإلهية.

ونورد فيما يلي بعض هذه المناظرات التي تعكس سعة علم الإمام الجواد (عليه السلام) وعظم منزلته:

1-مناظرته مع يحيى بن أكثم[24]:

عندما أراد المأمون العباسي أن يزوج ابنته أم الفضل الإمام الجواد (عليه السلام) اعترض بنو العباس على ذلك وتذرعوا بأن هذا الصبي ليس له نصيب من العلم، فطلب منهم أن يختبروه.

فاختار العباسيون يحيى بن أكثم وهو يومئذ قاضي القضاة، ورتب المأمون يوما للاجتماع بأبي جعفر الجواد (عليه السلام) فاجتمعوا وبدأت المناظرة:

 قال يحيى بن أكثم للمأمون: يأذن لي أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر؟

 فقال له المأمون: استأذنه في ذلك.

فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟

فقال له أبو جعفر(عليه السلام) : سل إن شئت.

قال يحيى: ما تقول جُعلت فداك في محرمٍ قتل صيداً ؟[25]

فقال له أبو جعفر: قتله في حل أو حرم ؟ عالماً كان المحرم أم جاهلاً ؟ قتله عمداً أو خطأ ؟ حراً كان المحرم أم عبداً ؟ صغيراً كان أم كبيراً ؟ مبتدئاً بالقتل أم معيداً ؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها ؟ من صغار الصيد كان أم كبارها ؟ مصراً على ما فعل أو نادماً ؟ في الليل كان قتله للصيد أم نهاراً ؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً ؟

  فتحير يحيى بن أكثم ، وبان في وجهه العجز والانقطاع، ولجلج حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره![26]

فلما تفرق الناس وبقي من الخاصة من بقي..

قال المأمون لأبي جعفر: إن رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه فيما فصلته من وجوه قتل المحرم الصيد ، لنعلمه ونستفيده؟

فقال أبو جعفر(عليه السلام) : نعم، إن المحرم إذا قتل صيداً في الحل وكان الصيد من ذوات الطير، وكان من كبارها فعليه شاة ، فإن كان أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، وإذا قتل فرخاً في الحل فعليه حمل قد فطم من اللبن، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ.

وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبياً فعليه شاة، فإن قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه للحج نحره بمنى، وإن كان إحرامه للعمرة نحره بمكة.

وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد له المأثم، وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفارة على الحر في نفسه، وعلى السيد في عبده، والصغير لا كفارة عليه، وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة، والمصرُّ يجب عليه العقاب في الآخرة.[27]

فقال له المأمون: أحسنت أبا جعفر أحسن الله إليك، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك.

فقال أبو جعفر (عليه السلام) ليحيى: أسألك؟

قال: ذلك إليك جعلت فداك ، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه، وإلا استفدته منك.

فقال له أبو جعفر(ع) : خبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أول النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلما ارتفع النهار حلت له، فلما زالت الشمس حرمت عليه ، فلما كان وقت العصر حلت له، فلما غربت الشمس حرمت عليه، فلما دخل عليه وقت العشاء الآخرة حلت له، فلما كان انتصاف الليل حرمت عليه، فلما طلع الفجر حلت له، ما حال هذه المرأة وبماذا حلت له وحرمت عليه؟

فقال له يحيى بن أكثم: لا والله ما أهتدي إلى جواب هذا السؤال، ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدناه.

فقال له أبو جعفر(عليه السلام):هذه أمَة لرجل من الناس نظر إليها أجنبي في أول النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلما ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلت له، فلما كان الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر تزوجها فحلت له، فلما كان وقت المغرب ظاهر[28] منها فحرمت عليه، فلما كان وقت العشاء الآخرة كفر عن الظهار فحلت له، فلما كان نصف الليل طلقها واحدة فحرمت عليه، فلما كان عند الفجر راجعها فحلت له.

قال: فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته فقال لهم: هل فيكم أحد يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب، أو يعرف القول فيما تقدم من السؤال؟!

  قالوا: لا والله..[29]

2- قضاء الإمام الجواد (عليه السلام) وهزيمة فقهاء البلاط العباسي:

لقد مرَّ علينا أنموذج من مناظراته (عليه السلام)، فكان يثبت للجميع عدم كفاءة ونزاهة فقهاء وقضاة البلاط العباسي بعدَّة طرق، مؤكداً على أحقيته بما وهبة تعالى من علم الإمامة مرسخاً بذلك بن الناس أصلاً من أصول الدين ألا وهو الإمامة، ومن هذه الطرق الفتوى التي أطلقها (عليه السلام) في البلاط العباسي عندما أحجم الجميع عن حل معضلة قطع يد السارق.

عن زرقان[30]الصاحب المقرب لابن أبي دؤاد[31]، قال:

رجع ابن أبي دؤاد ذات يوم من عند المعتصم، وهو مغتم .

فقلت له: في ذلك (أي سألته عن غمه).

فقال: وددت اليوم أني قدمت منذ عشرين سنة .

قال قلت له: ولم ذاك؟

قال: لما كان من هذا الأسود أبي جعفر محمد بن علي بن موسى اليوم بين يدي أمير المؤمنين .

قلت له: وكيف كان ذلك؟

قال: إن سارقاً أقرَّ على نفسه بالسرقة، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه، وقد أحضر محمد بن علي (يعني الإمام الجواد).

فسألناعن القطع في أي موضع يجب أن يقطع؟

فقلت: من الكرسوع .

قال: وما الحجة في ذلك؟

قلت: لأن اليد هي الأصابع والكف إلى الكرسوع؛ لقول الله في التيمم:(فامسحوا بوجوهكم وأيديكم)[32]واتفق مع ذلك قوم .

وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق .

قال: وما الدليل على ذلك؟

قالوا: لأن الله لما قال: (وأيديكم إلى المرافق)[33] في الغسل دل ذلك على أن حدَّ اليد هو المرفق .

قال: فالتفت إلى محمد بن علي (عليه السلام) .

فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟

فقال: قد تكلم القول فيه يا أمير المؤمنين .

قال: دعني مما تكلموا به! أي شيء عندك؟

قال: أعفني عن هذا يا أمير المؤمنين .

قال: أقسمت عليك بالله لما أخبرت بما عندك فيه.

فقال: أما إذ أقسمت علي باللهإني أقول: إنهم أخطئوا فيه السنة، فإن القطعيجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع، فيترك الكف .

قال: وما الحجة في ذلك؟

قال: قول رسول الله: السجود على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين .فإذا قطعت يدهمن الكرسوع، أو المرفق، لم يبق له يد يسجد عليها؛وقال الله تبارك وتعالى: (وأن المساجد لله)[34]يعني به: هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليه (فلا تدعوا مع الله أحدا)[35]وما كان لله لم يقطع.

فأعجب المعتصم ذلك، وأمربقطع يد السارق من مفصل الأصابع، دون الكف .

قال ابن أبي دؤاد : قامت قيامتي وتمنيت أني لم أك حيا[36] .

الخلفاء الذين عاصرهم الإمام الجواد (عليه السلام):

لقد عاصر الإمام (عليه السلام) خلال فترة إمامته التي امتدت سبعة عشر سنة خليفتين من بني العباس هما المأمون والمعتصم؛ 15 عاما في خلافة المأمون من سنة 203 هجرية أي سنة شهادة الإمام الرضا (عليه السلام) وحتى هلاك المأمون سنة 218 هجرية، وسنتين خلال فترة خلافة المعتصم من سنة 218 وحتى 220هجرية.

لقد كان عصر الإمام الجواد (عليه السلام) عصر تبليغ ونشر التشيع، وذلك لأنه عاصر المأمون العباسي الذي يقول عنه ابن النديم أنه من أعلم الخلفاء بالفقه والكلام.

كيفية شهادة الإمام الجواد (عليه السلام):

اختلفت الآراء في كيفية شهادة الإمام الجواد (عليه السلام) ونحن نشير إلى واحدة منها:

كان المعتصم الخليفة العباسي الظالم وهو أخ المأمون وعم أم الفضل بنت المأمون، يحيك المؤامرات ويتحيَّن الفرص لقتل الإمام، ثم إن المعتصم جعل يعمل الحيلة في قتل أبي جعفر(ع) وأشار إلى ابنة المأمون زوجته، بأنها تسمه لأنه وقف على انحرافها عن أبي جعفر فأمر أم الفضل بسم الإمام فقد كانت الخبيثة منحرفة عن الأمام (عليه صلوات الله)، فأجابته إلى ذلك وجعلت سماً في عنب ووضعته بين يديه (عليه السلام) فلما أكل منه ندمت وجعلت تبكي، فقال: ما بكاؤك! والله ليضربنك الله بفقر لا ينجبر، وبلاء لا ينستر! فماتت بعلة في أغمض المواضع من جوارحها صارت ناسوراً، فأنفقت مالها وجميع ملكها على تلك العلة، حتى احتاجت إلى الاسترفاد.[37]

فاستشهد (صلوات الله عليه) في بغداد في شهر ذي القعدة سنة 220 هجرية وكان عمره الشريف خمسة وعشرين سنة حين شهادته[38]، ودفن في إحدى أحياء بغداد تسمى الآن الكاظمية جوار قبر جده الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام)[39].

فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.

 


[1]. أصول الكافي: ج1، ص320 مدينة المعاجز: ج7، ص274. إثبات الهداة: ج3، ص247 - 342. الوافي: ج2، ص375. حلية الأبرار: ج4، ص604.إرشاد المفيد: ص318. كشف الغمة: ج2، ص352.أعلام الورى: ج2، ص94. بحار الأنوار: ج50، ص22.

[2]. الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج‏2، ص273، مؤتمر الشيخ المفيد، الطبعة الأولى، قم، 1413ق.

[3]. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار: ج50، ص7، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1403ق.

[4]. منتهى الآمال: ج2، ص572و573. المناقب: ج4، ص394. بحار الأنوار: ج48، ص316 و ج50، ص10، الأنوار البهية: ص250 ، حلية الأبرار: ج4، ص524. الثاقب في المناقب: ص504 ، مدينة المعاجز: ج7، ص260.

[5]. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج2، ص297. المرعشي التستري، القاضي نور الله، ‏إحقاق الحق و إزهاق الباطل: ج29، ص33، مكتبة آية الله المرعشي النجفي‏، قم، الطبعة الأولى، 1409ق.القمي، الشيخ عباس، منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل: ج3، ص1810، دليل ما، قم، الطبعة الأولى، 1379ش.

[6]. ابن ابي الثلج البغدادي، محمد بن احمد، تاريخ أهل البيت نقلا عن الأئمة الباقر و الصادق و الرضا و العسکري عن آبائهم (عليهم السلام)، تحقيق وتصحيح: الجلاليالحسيني، محمد رضا: ص123 و 124، مؤسسة آل البيت عليهم السلام؛ قم، الطبعة الأولى، 1410ق.

[7]. الپيشوايي، مهدي، سيرهپشوايان (فارسي):ص556،مؤسسةالإمام صادق(عليه السلام)، قم، الطبعة الثالثة، 1375ش.

[8]. عماد الطبري‏، حسن بن علي، مناقب الطاهرين: ج2، ص 808، مؤسسة الطباعة والنشر‏، طهران، الطبعة الأولى، 1379ش.بحار الأنوار: ج 50، ص8.

[9]. الشيخ الطبرسي‏، الفضل بن حسن، إعلام الورى بأعلام الهدى: ص 355، دارالكتبالإسلامية، طهران، الطبعة الثالثة، 1390ق.

[10]. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج2، ص295.الشامي، جمال الدين يوسف بن حاتم‏، الدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم: ص718، منشورات دفتر إسلامي، قم، الطبعة الأولى، 1420ق.الحموي، محمد بن اسحاق‏، أنيس المؤمنين: ص 215، مؤسسة بعثت، طهران، 1363ش. التتمة في تواريخ الأئمة عليهم السلام: ص134.

[11]. بحار الأنوار: ج 36، ص 336 و 337.

[12]. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج 2، ص274 -280.

[13]. سورة الغاشية: الآية2.

[14]. رجال الكشي: ص319. مسند الإمام الجواد (ع): ص150.

[15]. سورة الغاشية: الآية2..

[16]. رجال الكشي: ص391. مسند العطاردي: ص150.

[17]. رجال الكشي: ص444.

[18]. مسندالإمام الجواد: ص298.

[19]. سورة الفتح:الآية10.

[20]. سورة طه: الآية5.

[21]. التهذيب:ج3،ص283.

[22]. بحار الأنوار: ج50، ص37.

[23]. وبعده (عليه السلام) تسنَّم ولده الإمام علي الهادي عليه السلام منصب الإمامة في هذا العمر أو أقل منه، وأيضاً الإمام المهدي حيثصار إماما وهو في الخامسة.

[24]. لقد كان يحيى بن أكثم من أبرز علماء البلاط العباسي في عصر المأمون، فقد أشتهر بمعرفته بشتى أنواع العلوم، لقد كان متبحراً في الفقه، وعلى الرغم من أن المأمون كان من أعلم الخلفاء العباسيين فقد انبهر بمقام ابن أكثم العلمي حتى أسدى إليه أمور البلاد، أضافة إلى مقام قاضي القضاء، كما كان مسؤولاً عن ديوان الحساب وأمور الفقراء، وخلاصة القول أنه كان يدير تلك البلاد الإسلامية على اتساعها، فقد كان أقرب وأوثق الناس عند المأمون، ولكنه للأسف على الرغم من علمه فقد كان ضعيفا في نفسه ودينه، فاستخدم العلم كسلَّم للتحقيق نزواته الدنيوية من سلطة وتفاخر وتكبر، وكان يمطر جليسه بوابل من الأسئلة المتنوعة والمتشعبة حتى يذعن بعجزه وضعفه.

[25]. أحد الأعمال التي تحرم على المحرم للحج أو العمرة هو الصيد، حيث تعتبر أحكام ومسائل الحج من أكثر المسائل صعوبة، ولهذا فقد لجأ أمثال يحيى بن أكثم إلى طرح هذه المسائل ظناً منهم أنها سوف تثني الإمام وتعييه عن الجواب فيصلون إلى مبتغاهم ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره.

[26]. المجلسي، بحار الأنوار: الطبعة الثانية، طهران، المكتبةالإسلامية، 1395ق: ج 50، ص 75-76؛ القزويني، السيد کاظم، الامام الجواد من المهد الى اللحد، الطبعة الاولى، بيروت، مؤسسة البلاغ، 1408ق: ص 168-172. وقد روى هذه القضية الريان بن شبيب خال المعتصم، والذي كان من أصحاب الإمام الرضا والجواد (عليهما السلام) ومن المحدثين والرواة الموثوقين.

[27]. المجلسي، نفس الكتاب: ص 77.القزويني، نفس الكتاب: ص 174.الشيخ المفيد، الارشاد: ص 322.الشيخ المفيد، الاختصاص: ص 100.

[28]. الظهار أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي أو أختي أو بنتي، وفي هذه الحالة يجب عليه أن يدفع كفارة الظهار كي تحل عليه زوجته. لقد كان الظهار يعتبر في الجاهلية نوع من أنواع الطلاق يوجب الحرمة الأبدية، فجاء الإسلام وغير أحكامه، حيث تحل الزوجة بعد دفع الكفار بتفصيل في كتب الفقه.

[29]. المجلسي، نفس الكتاب: ص 78.القزويني، نفس الكتاب: ص 175.الشيخ المفيد، الارشاد: ص 322.

[30]. زرقان (على وزن عثمان) لقب أبوجعفر وكان محدثاً، وابنه «عمرو» كان أستاذ الأصمعي. (المجلسي، بحار الأنوار: ج 50، ص 5، الهامش).

[31]. ابن أبي ­دؤاد (على وزن غراب) وكان قاضي بغداد في خلافةالمأمون والمعتصم والواثق والمتوکل العباسي (المجلسي، بحار الأنوار:ج 50، ص 5، الهامش).

[32]. سورة المائد: الآية 5.

[33]. سورة المائد: الآية 5.

[34]. مسجد (بکسر الجيم: على وزن مجلس، أو بفتح الجيم: على وزن مشعل، وجمعه مساجد) وهو بمعنى محل ومكان السجود، فكما أن المساجد وبيوت الله وما يسجد عليه هو محل للسجود لله عز وجل، فإن الجبهة والأعضاء الستة التي نسجد بها تعدُّ أيضا محلا للسجود والتقرب إلى الله تعالى، ولهذا السبب جاء في هذه الرواية أن تفسير (المساجد) هي الأعضاء السبعة التي يسجد لله بها. وجاء هذا المعنى في روايتين عن الإمام الصادق (عليه السلام) رواهما الكليني في كتابه الكافي، كما عبِّر عن المساجد بالأعضاء السبعة في رواية في كتاب تفسير على بن ابراهيم القمي. وقد فسَّر الشيخ الصدوق في كتابه (الفقيه) المساجد بمواضع السجود السبعة. وقد ورد نفس المعنى عن سعيد بن جبير والزجاج والفراء. ويجب الالتفات إلى أنه لو كان هنالك أي أشكال في تفسير المساجد بمواضع السجود لما سكت الفقهاء والعلماء في مجلس المعتصم العباسي، حيث كانوا يتحينون الفرص للنيل من مقام الإمام العلمي، وبما أن جميع من في المجلس من فقهاء وعلماء أذعنوا لذلك يتبين أن المراد من المساجد في الآية الكريمة إنما هي مواضع السجود السبعة، أو على الأقل أحد معاني ذلك. (پيشواي نهم حضرت امام محمد تقي (عليه السلام) (فارسي)، مؤسسةفي طريق الحق، ص 26-29، نقلا عن: تفسير الصافي: ج 2، ص 752. تفسير نور الثقلين: ج 5، ص 440. تفسير مجمع البيان: ج 10، ص 372).

[35]. سورة الجن: الآية 18.

[36]. پيشواي نهم: نفس المصدر (فارسي).الطبرسي، مجمع البيان، شرکة المعارف الإسلامية، 1379ق: ج 10، ص 372. العياشي، کتاب التفسير، تصحيح و تعليق: السيد هاشم رسوليالمحلاتي.

[37]. بحار الأنوار: ج50، ص 16 و 17.

[38]. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج‏2، ص273.

[39]. الکليني، محمد بن يعقوب، الکافي، تحقيق وتصحيح: الغفاري عليأکبر، الآخوندي، محمد: ج 1، ص 492، دار الکتب الإسلامية، طهران، الطبعة الرابعة، 1407ق.المسعودي، علي بن حسين، إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب: ص 227، انصاريان، قم، الطبعة الثالثة، 1426ق.