")
المحكم و المتشابه و التأويل في القرآن الكريم (4)
التحدي بالإعجاز

الفصل السادس المحكم و المتشابه في ضوء الروايات‏

في تفسير العياشي: سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن المحكم و المتشابه قال: المحكم ما يعمل به و المتشابه ما اشتبه على جاهله.

أقول: و فيه تلويح إلى أن المتشابه مما يمكن العلم به.

و فيه أيضا: عنه عليه السّلام أن القرآن محكم و متشابه: فأما المحكم فتؤمن به و تعمل به و تدين، و أما المتشابه فتؤمن به و لا تعمل به، و هو قول اللّه عز و جل: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا.(1)

و الراسخون في العلم هم آل محمد.

أقول: و سيجي‏ء كلام في معنى قوله عليه السّلام: و الراسخون في العلم هم آل محمد.

و فيه أيضا عن مسعدة بن صدقة قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه قال: الناسخ الثابت المعمول به، و المنسوخ ما قد كان يعمل به ثم جاء ما نسخه، و المتشابه ما اشتبه على جاهله. قال و في رواية: الناسخ الثابت، و المنسوخ ما مضى، و المحكم ما يعمل به، و المتشابه ما يشبه بعضه بعضا.

و في الكافي عن الباقر عليه السّلام في حديث قال: فالمنسوخات من المتشابهات.

و في العيون عن الرضا عليه السّلام: من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم. ثم قال: إن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن فردوا متشابهها إلى محكمها، و لا تتبعوا متشابهها فتضلوا.

أقول: الأخبار كما ترى متقاربة في تفسير المتشابه، و هي تؤيد ما ذكرناه في البيان السابق: أن التشابه يقبل الارتفاع، و أنه إنما يرتفع بتفسير المحكم له. و أما كون المنسوخات من المتشابهات فهو كذلك كما تقدم و وجه تشابهها ما يظهر منها من استمرار الحكم و بقائه، و يفسره الناسخ ببيان أن استمراره مقطوع. و أما ما ذكره عليه السّلام في خبر العيون: إن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن و محكما كمحكم القرآن، فقد وردت في هذا المعنى عنهم عليهم السّلام روايات مستفيضة، و الاعتبار يساعده فإن الأخبار لا تشتمل إلّا على ما اشتمل عليه القرآن الشريف، و لا تبين إلّا ما تعرض له و قد عرفت فيما مرّ: أن التشابه من أوصاف المعنى الذي يدل عليه اللفظ و هو كونه بحيث يقبل الانطباق على المقصود و على غيره، لا من أوصاف اللفظ من حيث دلالته على المعنى نظير الغرابة و الإجمال، و لا من أوصاف الأعم من اللفظ و المعنى.

و بعبارة أخرى: إنما عرض التشابه لما عرض عليه من الآيات لكون بياناتها جارية مجرى الأمثال بالنسبة إلى المعارف الحقة الإلهية، و هذا المعنى بعينه موجود في الأخبار ففيها متشابه و محكم كما في القرآن، و قد ورد عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال: إنا معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر عقولهم.

و في تفسير العياشي عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهم السّلام: أن رجلا قال لأمير المؤمنين عليه السّلام: هل تصف لنا ربنا نزداد له حبا و معرفة. فغضب و خطب الناس فقال فيما قال: عليك يا عبد اللّه بما دلك عليه القرآن من صفته، و تقدمك فيه الرسول من معرفته، و استضئ من نور هدايته فإنما هي نعمة و حكمة أوتيتها، فخذ ما أوتيت و كن من الشاكرين و ما كلفك الشيطان عليه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، و لا في سنّة الرسول و أئمة الهدى‏ أمره فكل علمه إلى اللّه و لا تقدر عظمة اللّه و اعلم يا عبد اللّه: أن الراسخين في العلم الذين أغناهم اللّه عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فقالوا آمنا به كل من عند ربنا، و قد مدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، و سمى تركهم التعمّق فيما لم يكلفهم البحث عنه منهم رسوخا فاقتصر على ذلك و لا تقدر عظمة اللّه على قدر عقلك فتكون من الهالكين.

أقول: قوله عليه السّلام: و اعلم يا عبد اللّه أن الراسخين في العلم ... إلخ.

ظاهر في أنه عليه السّلام أخذ الواو في قوله تعالى: وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ‏، للاستئناف دون العطف كما استظهرناه من الآية، و مقتضى ذلك أن ظهور الآية لا يساعد على كون الراسخين في العلم عالمين بتأويله، لا أنه يساعد على عدم إمكان علمهم به، فلا ينافي وجود بيان آخر يدل عليه كما تقدم بيانه و هو ظاهر بعض الأخبار عن أئمة أهل البيت كما سيأتي. و قوله عليه السّلام:

الذين أغناهم اللّه عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب، خبر أن و الكلام ظاهر في تحضيض المخاطب و ترغيبه أن يلزم طريقة الراسخين في العلم بالاعتراف بالجهل فيما جهله فيكون منهم، و هذا دليل على تفسيره عليه السّلام الراسخين في العلم بمطلق من لزم ما علمه و لم يتعد إلى ما جهله و المراد بالغيوب المحجوبة بالسدد: المعاني المرادة بالمتشابهات الخفية عن الأفهام العامة و لذا أردفه بقوله ثانيا: فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره، و لم يقل بجملة ما جهلوا تأويله فافهم.

و في الكافي عن الصادق عليه السّلام: نحن الراسخون في العلم و نحن نعلم تأويله.

أقول: و الرواية لا تخلو عن ظهور في كون قوله تعالى‏ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏ معطوفا على المستثنى في قوله: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ‏ لكن هذا الظهور يرتفع بما مرّ من البيان و ما تقدم من الرواية، و لا يبعد كل البعد أن يكون المراد بالتأويل هو المعنى المراد بالمتشابه فإن هذا المعنى من التأويل المساوق لتفسير المتشابه كان شائعا في الصدر الأول بين الناس.

و أما قوله عليه السّلام: نحن الراسخون في العلم، و قد تقدم في رواية للعياشي عن الصادق عليه السّلام قوله: و الراسخون في العلم، هم آل محمد،

و هذه الجملة مروية في روايات أخر أيضا فجميع ذلك من باب الجري و الانطباق كما يشهد بذلك ما تقدم و يأتي من الروايات.

و في الكافي أيضا عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام إلى أن قال: يا هشام أن اللّه حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، علموا أن القلوب تزيغ و تعود إلى عماها و رداها، إنه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه، و من لم يعقل عن اللّه لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة ينظرها و يجد حقيقتها في قلبه، و لا يكون أحد كذلك إلّا من كان قوله لفعله مصدقا، و سره لعلانيته موافقا، لأن اللّه عزّ اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلّا بظاهر منه و ناطق عنه.

أقول: قوله عليه السّلام: لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه، في معنى قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ و قوله عليه السّلام: و من لم يعقل عن اللّه .... إلخ أحسن بيان لمعنى الرسوخ في العلم لأن الأمر ما لم يعقل حق التعقل لم ينسد طرق الاحتمالات فيه، و لم يزل القلب مضطربا في الإذعان به، و إذا تمّ التعقل و عقد القلب عليه لم يخالفه باتباع ما يخالفه من الهوى فكان ما في قلبه هو الظاهر في جوارحه و كان ما يقوله هو الذي يفعله، و قوله: و لا يكون أحد كذلك ... إلخ بيان لعلامة الرسوخ في العلم.

و في الدر المنثور أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم و الطبراني عن أنس و أبي أمامة و وائلة بن أسقف و أبي الدرداء أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سئل عن الراسخين في العلم فقال: من برت يمينه و صدق لسانه و استقام قلبه، و من عف بطنه و فرجه فذلك من الراسخين في العلم.

أقول: و يمكن توجيه الرواية بما يرجع إلى معنى الحديث السابق.

و في الكافي عن الباقر عليه السّلام: أن الراسخين في العلم من لا يختلف في علمه.

أقول: و هو منطبق على الآية، فإن الراسخين في العلم قوبل به فيها قوله: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ‏، فيكون رسوخ العلم عدم اختلاف العالم و ارتيابه.

و في الدر المنثور أخرج ابن أبي شيبة و أحمد و الترمذي و ابن جرير و الطبراني و ابن مردويه عن أم سلمة: أن رسول اللّه كان يكثر في دعائه أن يقول: اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قلت: يا رسول اللّه و إن القلوب لتتقلب؟ قال نعم ما خلق اللّه من بشر من بني آدم إلّا و قلبه بين إصبعين من أصابع اللّه فإن شاء أقامه، و إن شاء أزاغه، الحديث.

أقول: و روي هذا المعنى بطرق عديدة عن عدة من الصحابة كجابر و نواس بن شمعان و عبد اللّه بن عمر و أبي هريرة، و المشهور في هذا الباب ما في حديث نواس: قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن. و قد روى اللفظة (فيما أظن) الشريف الرضي في المجازات النبوية.

و روي عن علي عليه السّلام أنه قيل له: هل عندكم شي‏ء من الوحي؟ قال لا و الذي فلق الحبة و برأ النسمة إلّا أن يعطي اللّه عبدا فهما في كتابه.

أقول: و هو من غرر الأحاديث، و أقل ما يدل عليه: أن ما نقل من أعاجيب المعارف الصادرة عن مقامه العلمي الذي يدهش العقول مأخوذ من القرآن الكريم.

و في الكافي عن الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أيها الناس إنكم في دار هدنة، و أنتم على ظهر سفر، و السير بكم سريع، و قد رأيتم الليل و النهار و الشمس و القمر يبليان كل جديد و يقربان كل بعيد، و يأتيان بكل موعود، فأعدوا الجهاز لبعد المجاز، قال: فقام المقداد ابن الأسود فقال: يا رسول اللّه و ما دار الهدنة؟ فقال: دار بلاغ و انقطاع، فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع، و ماحل مصدق، و من جعله أمامه قاده إلى الجنة، و من جعله خلفه ساقه إلى النار، و هو الدليل يدل على خير سبيل، و هو كتاب فيه تفصيل و بيان و تحصيل، و هو الفصل ليس بالهزل، و له ظهر و بطن، فظاهره حكم و باطنه علم، ظاهره أنيق و باطنه عميق، له تخوم و على تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه، و لا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة، و دليل‏ على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجل جال بصره، و ليبلغ الصفة نظره، ينج من عطب، و يخلص من نشب، فإن التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات، فعليكم بحسن التخلص، و قلة التربص.

أقول: و رواه العياشي في تفسيره إلى قوله: فليجل جال.

و في الكافي و تفسير العياشي أيضا عن الصادق عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم القرآن هدى من الضلالة، و تبيان من العمى و استقالة من العثرة و نور من الظلمة و ضياء من الأحداث، و عصمة من الهلكة، و رشد من الغواية و بيان من الفتن، و بلاغ من الدنيا إلى الآخرة، و فيه كمال دينكم، و ما عدل أحد من القرآن إلّا إلى النار.

أقول: و الروايات في هذا المساق كثيرة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمة من أهل بيته عليهم السّلام.

و في تفسير العياشي عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن هذه الرواية: ما في القرآن آية إلّا و لها ظهر و بطن، و ما فيه حرف إلّا و له حد و لكل حد مطلع، ما يعني بقوله: ظهر و بطن؟ قال: ظهره تنزيله و بطنه تأويله، منه ما مضى و منه ما لم يكن بعد، يجري كما يجري الشمس و القمر، كلما جاء منه شي‏ء وقع، قال اللّه: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏، نحن نعلمه.

أقول: الرواية المنقولة في ضمن الرواية هي ما روته الجماعة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بألفاظ مختلفة و إن كان المعنى واحدا كما في تفسير الصافي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إن للقرآن ظهرا و بطنا و حدا و مطلعا. و فيه عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أيضا: إن للقرآن ظهرا و بطنا و لبطنه بطنا إلى سبعة أبطن.

و قوله عليه السّلام: منه ما مضى و منه ما يأتي، ظاهره رجوع الضمير إلى القرآن باعتبار اشتماله على التنزيل و التأويل فقوله: يجري كما يجري الشمس و القمر، يجري فيهما معا، فينطبق في التنزيل على الجري الذي اصطلح عليه الأخبار في انطباق الكلام بمعناه على المصداق كانطباق قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏(2)، على كل طائفة من المؤمنين الموجودين في الأعصار المتأخرة عن زمان نزول الآية، و هذا نوع من الانطباق، و كانطباق آيات الجهاد على جهاد النفس، و انطباق آيات المنافقين على الفاسقين من المؤمنين، و هذا نوع آخر من الانطباق أدق من الأول، و كانطباقها و انطباق آيات المذنبين على أهل المراقبة و الذكر و الحضور في تقصيرهم و مساهلتهم في ذكر اللّه تعالى، و هذا نوع آخر أدق ممّا تقدمه، و كانطباقها عليهم في قصورهم الذاتي عن أداء حق الربوبية، و هذا نوع آخر أدق من الجميع.

و من هنا يظهر أولا: أن للقرآن مراتب من المعاني المرادة بحسب مراتب أهله و مقاماتهم، و قد صور الباحثون عن مقامات الإيمان و الولاية من معانيه ما هو أدق مما ذكرناه.

و ثانيا: أن الظهر و البطن أمران نسبيان، فكل ظهر بطن بالنسبة إلى ظهره و بالعكس كما يظهر من الرواية التالية:

و في تفسير العياشي عن جابر قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن شي‏ء من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألته ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: جعلت فداك كنت أجبت في المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم! فقال: يا جابر إن للقرآن بطنا و للبطن بطن، و ظهرا و للظهر ظهر، يا جابر و ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إن الآية تكون أولها في شي‏ء و أوسطها في شي‏ء و آخرها في شي‏ء و هو كلام متصل ينصرف على وجوه.

و فيه أيضا عنه عليه السّلام في حديث قال: و لو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شي‏ء و لكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السموات و الأرض و لكل قوم آية يتلونها هم منها من خير أو شر.

و في المعاني عن حمران بن أعين قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن ظهر القرآن و بطنه فقال: ظهره الذين نزل فيهم القرآن، و بطنه الذين عملوا بأعمالهم، يجري فيهم ما نزل في أولئك.

و في تفسير الصافي عن علي عليه السّلام: ما من آية إلّا و لها أربعة معان:

ظاهر و باطن و حد و مطلع، فالظاهر التلاوة، و الباطن الفهم، و الحد هو أحكام الحلال و الحرام، و المطلع هو مراد اللّه من العبد بها.

أقول: المراد بالتلاوة ظاهر مدلول اللفظ بدليل أنه عليه السّلام عده من المعاني، فالمراد بالفهم في تفسيره الباطن ما هو في باطن الظاهر من المعنى و المراد بقوله: هو أحكام الحلال و الحرام ظاهر المعارف المتلقاة من القرآن في أوائل المراتب أو أواسطها في مقابل المطلع الذي هو المرتبة العليا، أو الحد و المطلع نسبيان كما أن الظاهر و الباطن نسبيان كما عرفت فيما تقدم فكل مرتبة عليا هي مطلع بالنسبة إلى السفلى.

و المطلع إما بضم الميم و تشديد الطاء و فتح اللام اسم مكان من الاطلاع، أو بفتح الميم و اللام و سكون الطاء اسم مكان من الطلوع، و هو مراد اللّه من العبد بها كما ذكره عليه السّلام.

و قد وردت هذه الأمور الأربعة في النبوي المعروف هكذا: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر و بطن و لكل حد مطلع. و في رواية: و لكل حد و مطلع.

و معنى قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: و لكل حد مطلع على ما في إحدى الروايتين: أن لكل واحد من الظهر و البطن الذي هو حد مطلع يشرف عليه، هذا هو الظاهر و يمكن أن يرجع إليه ما في الرواية الأخرى: و لكل حد و مطلع بأن يكون المعنى: و لكل منهما حد هو نفسه و مطلع و هو ما ينتهي إليه الحد فيشرف على التأويل لكن هذا لا يلائم ظاهرا ما في رواية علي عليه السّلام: ما من آية إلّا و لها أربعة معان «إلخ» إلّا أن يراد أن لها أربعة اعتبارات من المعنى و إن كان ربما انطبق بعضها على بعض.

و على هذا فالمتحصل من معاني الأمور الأربعة: أن الظهر هو المعنى الظاهر البادي من الآية، و الباطن هو الذي تحت الظاهر سواء كان واحدا أو كثيرا، قريبا منه أو بعيدا بينهما واسطة، و الحد هو نفس المعنى سواء كان‏ ظهرا أو بطنا و المطلع هو المعنى الذي طلع منه الحد و هو بطنه متصلا به فافهم.

و في الحديث المروي من طرق الفريقين عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنزل القرآن على سبعة أحرف.

أقول: و الحديث و إن كان مرويا باختلاف ما في لفظه، لكن معناها مروي مستفيضا و الروايات متقاربة معنى، روتها العامة و الخاصة. و قد اختلف في معنى الحديث اختلافا شديدا ربما أنهي إلى أربعين قولا، و الذي يهون الخطب أن في نفس الأخبار تفسيرا لهذه السبعة أحرف، و عليه التعويل.

ففي بعض الأخبار: نزل القرآن على سبعة أحرف أمر و زجر و ترغيب و ترهيب و جدل و قصص و مثل، و في بعضها: زجر و أمر و حلال و حرام و محكم و متشابه و أمثال.

و عن علي عليه السّلام أن اللّه أنزل القرآن على سبعة أقسام، كل منها كاف شاف، و هي أمر و زجر و ترغيب و ترهيب و جدل و مثل و قصص.

فالمتعين حمل السبعة أحرف على أقسام الخطاب و أنواع البيان و هي سبعة على وحدتها في الدعوة إلى اللّه و إلى صراطه المستقيم، و يمكن أن يستفاد من هذه الرواية حصر أصول المعارف الإلهية في الأمثال فإن بقية السبعة لا تلائمها إلّا بنوع من العناية على ما لا يخفى‏(3).

الإعجاز و التحدي في القرآن الكريم، سيد محمد حسين طباطبائى / قاسم الهاشمى‏ / موسسة الاعلمى للمطبوعات‏- بيروت‏ / 1423 / 2002

مأخذ:

(1) آل عمران- 7.

(2) التوبة- 120.

(3) راجع المبحث في الميزان المجلد 3 ص 37.