")
المحكم و المتشابه و التأويل في القرآن الكريم (3)
التحدي بالإعجاز

الفصل الخامس ما هو السبب في اشتمال الكتاب على المتشابه؟

و من الاعتراضات التي أوردت على القرآن الكريم الاعتراض باشتماله على المتشابهات و هو أنكم تدعون أن تكاليف الخلق إلى يوم القيامة فيه، و أنه قول فصل يميز بين الحق و الباطل، ثم إنا نراه يتمسك به كل صاحب مذهب من المذاهب المختلفة بين المسلمين لإثبات مذهبه، و ليس ذلك إلى لوقوع التشابه في آياته، أ فليس أنه لو جعله جليا نقيا عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى الغرض المطلوب، و أقطع لمادة الخلاف و الزيغ؟

و أجيب عنه بوجوه من الجواب بعضها ظاهر السخافة كالجواب بأن وجود المتشابهات يوجب صعوبة تحصيل الحق و مشقة البحث و ذلك موجب لمزيد الأجر و الثواب، و كالجواب بأنه لو لم يشتمل إلّا على صريح القول في مذهب لنفر ذلك سائر أرباب المذاهب فلم ينظروا فيه، لكنه لوجود التشابه فيه أطمعهم في النظر فيه و كان في ذلك رجاء أن يظفروا بالحق فيؤمنوا به! و كالجواب بأن اشتماله على المتشابه أوجب الاستعانة بدلالة العقل، و في ذلك خروج عن ظلمة التقليد و دخول في ضوء النظر و الاجتهاد! و كالجواب بأن اشتماله على المتشابه أوجب البحث عن طرق التأويلات المختلفة، و في ذلك فائدة التضلع بالفنون المختلفة كعلم اللغة و الصرف و النحو و أصول الفقه!.

فهذه أجوبة سخيفة ظاهرة السخافة بأدنى نظر، و الذي يستحق الإيراد و البحث من الأجوبة وجوه ثلاثة:

الأوّل: أن اشتمال القرآن الكريم على المتشابهات لتمحيص القلوب في التصديق به، فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولا واضحا لا شبهة فيه عند أحد لما كان في الإيمان شي‏ء من معنى الخضوع لأمر اللّه تعالى و التسليم لرسله.

و فيه: أن الخضوع هو نوع انفعال و تأثر من الضعيف في مقابل القوي و الإنسان إنما يخضع لمن يدرك عظمته أو لما لا يدركه لعظمته و بهوره الإدراك كقدرة اللّه غير المتناهية و عظمته غير المتناهية و سائر صفاته التي إذا واجهها العقل رجع القهقرى لعجزه عن الإحاطة بها، و أما الأمور التي لا ينالها العقل لكنه يغتر و يغادر باعتقاد أنه يدركها فما معنى خضوعه لها؟

كالآيات المتشابهة التي يتشابه أمرها على العقل فيحسب أنه يعقلها و هو لا يعقل.

الثاني: أن اشتماله على المتشابه إنما هو لبعث العقل على البحث و التنقير لئلا يموت بإهماله بإلقاء الواضحات التي لا يعمل فيها عامل الفكر، فإن العقل أعز القوى الإنسانية التي يجب تربيتها بتربية الإنسان.

و فيه: أن اللّه تعالى أمر الناس بإعمال العقل و الفكر في الآيات الآفاقية و الأنفسية إجمالا في موارد من كلامه، و تفصيلا في موارد أخرى كخلق السموات و الأرض و الجبال و الشجر و الدواب و الإنسان و اختلاف ألسنته و ألوانه، و ندب إلى التعقل و التفكر و السير في الأرض و النظر في أحوال الماضين، و حرض على العقل و الفكر، و مدح العلم بأبلغ المدح و في ذلك غنى عن البحث في أمور ليس إلّا مزالق للأقدام و مصارع للأفهام.

الثالث: أن الأنبياء بعثوا إلى الناس و فيهم العامة و الخاصة، و الذكي و البليد و العالم و الجاهل، و كان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته و تشرح كنهه بحيث يفهمه الجميع على السواء، فالحري في أمثال هذه المعاني أن تلقى بحيث تفهمها الخاصة و لو بطريق الكناية و التعريض و يؤمر العامة فيها بالتسليم و تفويض الأمر إلى اللّه تعالى.

و فيه: أن الكتاب كما يشتمل على المتشابهات كذلك يشتمل على المحكمات التي تبين المتشابهات بالرجوع إليها، و لازم ذلك أن لا تتضمن‏ المتشابهات أزيد مما تكشف عنه المحكمات، و عند ذلك يبقى السؤال (و هو أنه ما فائدة وجود المتشابهات في الكتاب و لا حاجة إليها مع وجود المحكمات) على حاله، و منشأ الاشتباه أن المجيب أخذ المعاني نوعين متباينين: معان يفهمها جميع المخاطبين من العامة و الخاصة و هي مداليل المحكمات، و معان سنخها بحيث لا يتلقاها إلّا الخاصة من المعارف العالية و الحكم الدقيقة، فصارت بذلك المتشابهات لا ترجع معانيها إلى المحكمات، و قد مرّ أن ذلك مخالف لمنطق الآيات الدالة على أن القرآن يفسر بعضه بعضا و غير ذلك.

و الذي ينبغي أن يقال: أن وجود المتشابه في القرآن ضروري ناشئ عن وجود التأويل الموجب لتفسير بعضه بعضا بالمعنى الذي أوضحناه للتأويل فيما مرّ.

و يتضح ذلك بعض الاتضاح بإجادة التدبر في جهات البيان القرآني و التعليم الإلهي و الأمور التي بنيت عليها معارفه و الغرض الأقصى من ذلك و هي أمور:

منها: أن اللّه سبحانه ذكر أن لكتابه تأويلا هو الذي تدور مداره المعارف القرآنية و الأحكام و القوانين و سائر ما يتضمنه التعليم الإلهي، و أن هذا التأويل الذي تستقبله و تتوجه إليه جميع هذه البيانات أمر تقصر عن نيله الأفهام و تسقط دون الارتقاء إليه العقول إلّا نفوس طهرهم اللّه و أزال عنهم الرجس، فإن لهم خاصة أن يمسوه. و هذا غاية ما يريده تعالى من الإنسان المجيب لدعوته في ناحية العلم أن يهتدي إلى علم كتابه الذي هو تبيان كل شي‏ء و مفتاحه التطهير الإلهي، و قد قال تعالى: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ‏(1)، فجعل الغاية لتشريع الدين هي التطهير الإلهي.

و هذا الكمال الإنساني كسائر الكمالات المندوب إليها لا يظفر بكمالها إلّا أفراد خاصة، و إن كانت الدعوة متعلقة بالجميع متوجهة إلى الكل، فتربية الناس بالتربية الدينية إنما تثمر كمال التطهير في أفراد خاصة و بعض التطهير في آخرين، و يختلف ذلك باختلاف درجات الناس، كما أن الإسلام يدعو إلى حق التقوى في العمل. قال تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏(2) و لكن لا يحصل كماله إلّا في أفراد و فيمن دونهم دون ذلك على طريق الأمثل فالأمثل، كل ذلك لاختلاف الناس في طبائعهم و أفهامهم، و هكذا جميع الكمالات الاجتماع من حيث التربية و الدعوة، يدعو داعي الاجتماع إلى الدرجة القصوى من كل كمال كالعلم و الصنعة و الثروة و الراحة و غيرها لكن لا ينالها إلّا البعض، و من دونه ما دونها على اختلاف مراتب الاستعدادات. و بالحقيقة أمثال هذه الغايات ينالها المجتمع من غير تخلف دون كل فرد منه.

و منها: أن القرآن قطع بأن الطريق الوحيد إلى إيصال الإنسان إلى هذه الغاية الشريفة تعريف نفس الإنسان لنفسه بتربيته في ناحيتي العلم و العمل:

أما في ناحية العلم فبتعليمه الحقائق المربوطة به من المبدأ و المعاد و ما بينهما من حقائق العالم حتى يعرف نفسه بما ترتبط به من الواقعيات معرفة حقيقية. و أما في ناحية العمل فبتحميل قوانين اجتماعية عليه بحيث تصلح شأن حياته الاجتماعية، و لا تشغله عن التخلص إلى عالم العلم و العرفان، ثم بتحميل تكاليف عبادية يوجب العمل بها و المزاولة عليها توجه نفسه، و خلوص قلبه إلى المبدأ و المعاد، و إشرافه على عالم المعنى و الطهارة و التجنب عن قذارة الماديات و ثقلها.

و أنت إذا أحسنت التدبر في قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏(3)، و ضممته إلى ما سمعت إجماله في قوله تعالى: وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ‏ الآية، و إلى قوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ‏(4)، و قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ‏(5)، و ما يشابهه من الآيات اتضح لك الغرض الإلهي في تشريع الدين و هداية الإنسان إليه، و السبيل الذي سلكه لذلك فافهم.

و يتفرع على هذا البيان نتيجة مهمة: هي أن القوانين الاجتماعية في الإسلام مقدمة للتكاليف العبادية مقصودة لأجلها، و التكاليف العبادية مقدمة للمعرفة باللّه و بآياته، فأدنى الإخلال أو التحريف أو التغيير في الأحكام الاجتماعية من الإسلام يوجب فساد العبودية و فساد العبودية يؤدي إلى اختلال أمر المعرفة.

و هذه النتيجة- على أنها واضحة التفرع على البيان- تؤيدها التجربة أيضا: فإنك إذا تأملت جريان الأمر في طروق الفساد في شئون الدين الإسلامي بين هذه الأمة و أمعنت النظر فيه: من أين شرع و في أين ختم وجدت أن الفتنة ابتدأت من الاجتماعيات ثم توسطت في العباديات ثم انتهت إلى رفض المعارف.

و قد ذكرناك فيما مرّ: أن الفتنة شرعت باتباع المتشابهات و ابتغاء تأويلها و لم يزل الأمر على ذلك حتى اليوم.

و منها: أن الهداية الدينية إنما بنيت على نفي التقليد عن الناس و ركوز العلم بينهم ما استطيع، فإن ذلك هو الموافق لغايتها التي هي المعرفة و كيف لا؟ و لا يوجد بين كتب الوحي كتاب، و لا بين الأديان دين يعظمان من أمر العلم و يحرضان عليه بمثل ما جاء به القرآن و الإسلام!.

و هذا المعنى هو الموجب لأن يبيّن الكتاب للإنسان حقائق المعارف أولا، و ارتباط ما شرعه له من الأحكام العملية بتلك الحقائق ثانيا، و بعبارة أخرى أن يفهمه: أنه موجود مخلوق للّه تعالى خلقه بيده و وسط في خلقه و بقائه ملائكته و سائر خلقه من سماء و أرض و نبات و حيوان و مكان و زمان و ما عداها، و أنه سائر إلى معاده و ميعاده سيرا اضطراريا، و كادح إلى ربه كدحا فملاقيه ثم يجزى جزاء ما عمله، أيما إلى جنة، و أيما إلى نار فهذه طائفة من المعارف.

ثم يفهمه أن الأعمال التي تؤديه إلى سعادة الجنة ما هي، و ما تؤديه إلى شقوة النار ما هي؟ أي يبين له الأحكام العبادية و القوانين الاجتماعية، و هذه طائفة أخرى.

ثم يبين له أن هذه الأحكام و القوانين مؤدية إلى السعادة أي يفهمه أن هذه الطائفة الثانية مرتبطة بالطائفة الأولى، و أن تشريعها و جعلها للإنسان إنما هو لمراعاة سعادته لاشتمالها على خير الإنسان في الدنيا و الآخرة، و هذه طائفة ثالثة.

و ظاهر عندك أن الطائفة الثانية بمنزلة المقدمة، و الطائفة الأولى بمنزلة النتيجة، و الطائفة الثالثة بمنزلة الرابط الذي يربط الثانية بالأولى و دلالة الآيات على كل واحدة من هذه الطوائف المذكورة واضحة و لا حاجة إلى إيرادها.

و منها: أنه لما كانت عامة الناس لا يتجاوز فهمهم المحسوس و لا يرقى عقلهم إلى ما فوق عالم المادة و الطبيعة، و كان من ارتقى فهمه منهم بالارتياضات العلمية إلى الورود في إدراك المعاني و كليات القواعد و القوانين يختلف أمره باختلاف الوسائل التي يسرت له الورود في عالم المعاني و الكليات كان ذلك موجبا لاختلاف الناس في فهم المعاني الخارجة عن الحس و المحسوس اختلافا شديدا ذا عرض عريض على مراتب مختلفة، و هذا أمر لا ينكره أحد.

و لا يمكن إلقاء معنى من المعاني إلى إنسان إلّا من طريق معلوماته الذهنية التي تهيأت عنده في خلال حياته و عيشته، فإن كان مأنوسا بالحس فمن طريق المحسوسات على قدر ما رقى إليه من مدارج الحس كما يمثل لذة النكاح للصبي بحلاوة الحلواء، و إن كان نائلا للمعاني الكلية فبما نال و على قدر ما نال، و هذا ينال المعاني من البيان الحسي و العقلي معا بخلاف المأنوس بالحس.

ثم إن الهداية الدينية لا تختص بطائفة دون طائفة من الناس بل تعم جميع الطوائف و تشمل عامّة الطبقات، و هو ظاهر.

و هذا المعنى أعني اختلاف الأفهام و عموم أمر الهداية مع ما عرفت‏ من وجود التأويل للقرآن هو الموجب أن يساق البيانات مساق الأمثال و هو أن يتخذ ما يعرفه الإنسان و يعهده ذهنه من المعاني فيبين به ما لا يعرفه لمناسبة ما بينهما نظير توزين المتاع بالمثاقيل و لا مسانخة بينهما في شكل أو صورة أو حجم أو نوع إلّا ما بينهما من التناسب وزنا.

و الآيات القرآنية المذكورة سابقا كقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ‏(6)، و ما يشابهه من الآيات و إن بينت هذا الأمر بطريق الإشارة و الكناية، لكن القرآن لم يكتف بذلك دون أن بيّنه بما ضربه مثلا في أمر الحق و الباطل فقال تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ(7)، فبين أن حكم المثل جار في أفعاله تعالى كما هو جار في أقواله، ففعله تعالى كقوله الحق إنما قصد منهما الحق الذي يحويانه و يصاحب كلا منهما أمور غير مقصودة و لا نافعة تعلوهما و تربوهما لكنها ستزول و تبطل، و يبقى الحق الذي ينفع الناس، و إنما يزول و يزهق بحق آخر هو مثله، و هذا كالآية المتشابهة تتضمن من المعنى حقا مقصودا، و يصاحبه و يعلو عليه بالاستباق إلى الذهن معنى آخر باطل غير مقصود، لكنه سيزول بحق آخر يظهر الحق الأول على الباطل الذي كان يعلوه، ليحق الحق بكلماته و يبطل الباطل و لو كره المجرمون، و الكلام في انطباق هذا المثل على أفعاله الخارجية المتقررة في عالم الكون كالكلام في أقواله عز من قائل.

و بالجملة: المتحصل من الآية الشريفة: أن المعارف الحقة الإلهية كالماء الذي أنزله اللّه تعالى من السماء هي في نفسها ماء فحسب، من غير تقييد بكميّة و لا كيفية، ثم إنها كالسيل السائل في الأودية تتقدر بأقدار مختلفة من حيث السعة و الضيق، و هذه الأقدار أمور ثابتة كل في محله كالحال في أصول المعارف و الأحكام التشريعية و مصالح الأحكام التي‏ ذكرنا فيما مرّ أنها روابط تربط الأحكام بالمعارف الحقة و هذا حكمها في نفسها مع قطع النظر عن البيان اللفظي، و هي في مسيرها ربما صحبت ما هو كالزبد يظهر ظهورا ثم يسرع في الزوال و ذلك كالأحكام المنسوخة التي تنسخها النواسخ من الآيات، فإن المنسوخ مقتضى ظاهر طباعه أن يدوم لكن الحكم الناسخ يبطل دوامه و يضع مكانه حكما آخر.

هذا بالنظر إلى نفس هذه المعارف مع قطع النظر عن ورودها في وادي البيان اللفظي.

و أما المعارف الحقة من حيث كونها واردة في ظرف اللفظ و الدلالة فإنها بورودها أودية الدلالات اللفظية تتقدر بأقدارها، تتشكل بأشكال المرادات الكلامية بعد إطلاقها، و هذه أقوال ثابتة من حيث مراد المتكلم بكلامه، إلّا أنها مع ذلك أمثال يمثل بها أصل المعنى المطلق غير المتقدر، ثم إنها بمرورها في الأذهان المختلفة تحمل معاني غير مقصودة كالزبد في السيل، لأن الأذهان من جهة ما تخزنه من المرتكزات و المألوفات تتصرف في المعاني الملقاة إليها، و جلّ هذا التصرف إنما هو في المعاني غير المألوفة كالمعارف الأصلية، و مصالح الأحكام و ملاكاتها كما مرّ، و أما الأحكام و القوانين فلا تصرف فيها مع قطع النظر عن ملاكاتها فإنها مألوفة، و من هنا يظهر أن المتشابهات إنما هي الآيات من حيث اشتمالها على الملاكات و المعارف، دون متن الأحكام و القوانين الدينية.

و منها: أنه تحصل من البيان السابق: أن البيانات اللفظية القرآنية أمثال للمعارف الحقة الإلهية لأن البيان نزل في هذه الآيات إلى سطح الأفهام العامة التي لا تدرك إلّا الحسيات و لا تنال المعاني الكلية إلّا في قالب الجسمانيات، و لما استلزم ذلك في إلقاء المعاني الكلية المجردة عن عوارض الأجسام و الجسمانيات أحد محذورين: فإن الأفهام في تلقيها المعارف المرادة منها إن جمدت في مرتبة الحس و المحسوس انقلبت الأمثال بالنسبة إليها حقائق ممثلة و فيه بطلان الحقائق و فوت المرادات و المقاصد و إن لم تجمد و انتقلت إلى المعاني المجردة بتجريد الأمثال عن الخصوصيات غير الدخيلة لم يؤمن من الزيادة و النقيصة.

نظير ذلك أنها لو ألقي إلينا المثل السائر: عند الصباح يحمد القوم السرى أو تمثل لنا بقول صخر:

أهم بأمر الحزم لا أستطيعه‏

 

و قد حيل بين العير و النزوان‏

فإنا من جهة سبق عهد الذهن بالقصة أو الأمر الممثل له نجرّد المثل عن الخصوصيات المكتنفة بالكلام كالصباح و القوم و السرى، و نفهم من ذلك أن المراد: أن حسن تأثير عمل و تحسين فعله إنما يظهر إذا فرغ منه و بدا أثره و أما و هو ما دام الإنسان مشتغلا به محسا تعب فعله فلا يقدر قدره، و يظهر ذلك تجريد ما تمثل به من الشعر، و أما إذا لم نعهد الممثل و جمدنا على الشعر أو المثل خفي عنا الممثل و عاد المثل خبرا من الأخبار، و لو لم نجمد و انتقلنا إجمالا إلى أنه مثل لم يمكنا تشخيص المقدار الذي يجب طرحه بالتجريد و ما يجب حفظه للفهم و هو ظاهر.

و لا مخلص عن هذين المحذورين إلّا بتفريق المعاني الممثل لها إلى أمثال مختلفة و تقليبها في قوالب متنوعة حتى يفسر بعضها بعضا، و يوضح بعضها أمر بعض، فيعلم بالتدافع الذي بينها أولا: أن البيانات أمثال و لها في ما وراءها حقائق ممثلة، و ليست مقاصدها و مراداتها مقصورة على اللفظ المأخوذ من مرتبة الحس و المحسوس و ثانيا: بعد العلم بأنها أمثال: يعلم بذلك المقدار الذي يجب طرحه من الخصوصيات المكتنفة بالكلام، و ما يجب حفظه منها للحصول على المرام، و إنما يحصل ذلك بأن هذا يتضمن نفي بعض الخصوصيات الموجودة في ذلك، و ذاك نفي بعض ما في هذا.

و إيضاح المقاصد المبهمة و المطالب الدقيقة بإيراد القصص المتعددة و الأمثال و الأمثلة الكثيرة المتنوعة أمر دائر في جميع الألسنة و اللغات من غير اختصاص بقوم دون قوم، و لغة دون لغة، و ليس ذلك إلّا لأن الإنسان يشعر بقريحة البيان مساس حاجته إلى نفي الخصوصيات الموهمة لخلاف المراد في القصة الواحدة أو المثل الواحد بالخصوصيات النافية الموجودة في قصة أخرى مناسبة أو مثل آخر مناسب.

فقد تبين أن من الواجب أن يشتمل القرآن الكريم على الآيات المتشابهة و أن يرفع التشابه الواقع في آية بالإحكام الواقع في آية أخرى، و اندفع بذلك الإشكال باشتمال القرآن على المتشابهات لكونها مخلة لغرض الهداية و البيان.

و قد ظهر من جميع ما تقدم من الأبحاث على طولها أمور:

الأول: أن الآيات القرآنية تنقسم إلى قسمين: محكم و متشابه، و ذلك من جهة اشتمال الآية وحدها على مدلول متشابه و عدم اشتمالها.

الثاني: أن لجميع القرآن محكمه و متشابهه تأويلا، و أن التأويل ليس من قبيل المفاهيم اللفظية بل من الأمور الخارجية، نسبته إلى المعارف و المقاصد المبينة نسبة الممثل إلى المثال، و أن جميع المعارف القرآنية أمثال مضروبة للتأويل الذي عند اللّه.

الثالث: أن التأويل يمكن أن يعلمه المطهرون و هم راسخون في العلم.

الرابع: أن البيانات القرآنية أمثال مضروبة لمعارفها و مقاصدها، و هذا المعنى غير ما ذكرناه في الأمر الثاني من كون معارفه أمثالا و قد أوضحناه فيما مرّ.

الخامس: أن من الواجب أن يشتمل القرآن على المتشابهات، كما أن من الواجب أن يشتمل على المحكمات.

السادس: أن المحكمات أم الكتاب إليها ترجع المتشابهات رجوع بيان.

السابع: أن الإحكام و التشابه و صفان يقبلان الإضافة و الاختلاف بالجهات بمعنى أن آية ما يمكن أن تكون محكمة من جهة، و متشابهة من جهة أخرى فتكون محكمة بالإضافة إلى آية و متشابهة بالإضافة إلى أخرى، و لا مصداق للمتشابه على الإطلاق في القرآن، و لا مانع من وجود محكم على الإطلاق.

الثامن: أن من الواجب أن يفسر بعض القرآن بعضا.

التاسع: أن للقرآن مراتب مختلفة من المعنى، مترتبة طولا من غير أن يكون الجميع في عرض واحد فيلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى‏ واحد، أو مثل عموم المجاز، و لا هي من قبيل اللوازم المتعددة لملزوم واحد، بل هي معان مطابقية يدل على كل واحد منها اللفظ بالمطابقة بحسب مراتب الأفهام.

و لتوضيح ذلك نقول: قال اللّه تبارك و تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏(8)، فأنبأ أن للتقوى الذي هو لانتهاء عما نهى اللّه عنه و الائتمار بما أمر اللّه به مرتبة هي حق التقوى، و يعلم بذلك أن هناك من التقوى ما هو دون هذه المرتبة الحقة، فللتقوى الذي هو بوجه العمل الصالح مراتب و درجات بعضها فوق بعض.

و قال أيضا: أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ. هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ‏(9) فبين أن للعمل مطلقا سواء كان صالحا أو طالحا درجات و مراتب، و الدليل على أن المراد بها درجات العمل قوله: وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ‏. و نظير الآية قوله تعالى: وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَ لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏(10) و قوله تعالى: وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ‏(11) و الآيات في هذا المعنى كثيرة، و فيها ما يدل على أن درجات الجنة و دركات النار بحسب مراتب الأعمال و درجاتها.

و من المعلوم أن العمل من أي نوع كان هو من رشحات العلم يترشح من اعتقاد قلبي يناسبه، و قد استدل تعالى على كفر اليهود و على فساد ضمير المشركين و على نفاق المنافقين من المسلمين و على إيمان عدة من الأنبياء و المؤمنين بأعمالهم و أفعالهم في آيات كثيرة جدا يطول ذكرها، فالعمل كيف كان يلازم ما يناسبه من العلم و يدل عليه.

و بالعكس يستلزم كل نوع من العمل ما يناسبه من العلم و يحصله و يركزه في النفس كما قال تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ‏ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏(12)، و قال تعالى: وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ‏(13)، و قال أيضا: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى‏ أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ‏(14)، و قال: فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى‏ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ‏(15)، و الآيات في هذا المعنى أيضا كثيرة تدل الجميع على أن العمل صالحا كان أو طالحا يولد من أقسام المعارف و الجهالات (و هي العلوم المخالفة للحق) ما يناسبه.

و قال تعالى- و هو كالكلمة الجامعة في العمل الصالح و العلم النافع-: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏(16)، فبين أن شأن الكلم الطيب و هو الاعتقاد الحق أن يصعد إلى اللّه تعالى و يقرب صاحبه منه، و شأن العمل الصالح أن يرفع هذا العلم و الاعتقاد. و من المعلوم أن ارتفاع العلم في صعوده إنما هو بخلوصه من الشك و الريب و كمال توجه النفس إليه و عدم تقسم القلب فيه و في غيره (و هو مطلق الشرك) فكلما كمل خلوصه من الشك و الخطرات اشتد صعوده و ارتفاعه.

و لفظ الآية لا يخلو عن دلالة على ذلك، فإنها عبرت في الكلم الطيب بالصعود و وصفت العمل بالرفع، و الصعود يقابل النزول كما أن الرفع يقابل الوضع، و هما أعني الصعود و الارتفاع وصفان يتصف بهما المتحرك من السفل إلى العلوم بنسبته إلى الجانبين فهو صاعد بالنظر إلى قصده العلو و اقترابه منه، و مرتفع من جهة انفصاله من السفل و ابتعاده منه، فالعمل يبعد الإنسان و يفصله من الدنيا و الإخلاد إلى الأرض بصرف نفسه عن التعلق بزخارفها الشاغلة و التشتت و التفرق بهذه المعلومات الفانية غير الباقية و كلما زاد الرفع و الارتفاع زاد صعود الكلم الطيب، و خلصت المعرفة عن شوائب الأوهام و قذارات الشكوك، و من المعلوم أيضا كما مرّ: أن العمل الصالح ذو مراتب و درجات فلكل درجة من العمل الصالح رفع الكلم الطيب و توليد العلوم و المعارف الحقة الإلهية على ما يناسب حالها. و الكلام في العمل الطالح و وضعه الإنسان نظير الكلام في العمل الصالح و رفعه.

فظهر أن للناس بحسب مراتب قربهم و بعدهم منه تعالى مراتب مختلفة من العمل و العلم، و لازمه أن يكون ما يتلقاه أهل واحدة من المراتب و الدرجات غير ما يتلقاه أهل المرتبة و الدرجة الأخرى التي فوق هذه أو تحتها، فقد تبين أن للقرآن معان مختلفة مترتبة.

و قد ذكر اللّه سبحانه أصنافا من عباده، و خص كل صنف بنوع من العلم و المعرفة لا يوجد في الصنف الآخر كالمخلصين و خص بهم العلم بأوصاف ربهم حق العلم، قال تعالى: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ. إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏(17) و خص بهم أشياء أخر من المعرفة و العلم سيجي‏ء بيانها إن شاء اللّه تعالى، و كالموقنين و خص بهم مشاهدة ملكوت السموات و الأرض، قال تعالى: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ‏(18) و كالمنيبين و خص بهم التذكر، قال تعالى: وَ ما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ(19) و كالعالمين و خص بهم عقل أمثال القرآن، قال تعالى: وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏(20)، و كأنهم أولو الألباب و المتدبرون لقوله تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها(21)، و لقوله تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً(22)، فإن مؤدى الآيات الثلاث يرجع إلى معنى واحد و هو العلم بمتشابه القرآن و رده إلى محكمه، و كالمطهرين خصّهم اللّه بعلم تأويل الكتاب، قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ‏(23)، و كالأولياء و هم أهل الوله و المحبة للّه و خص بهم أنهم لا يلتفتون إلى شي‏ء إلّا اللّه سبحانه و لذلك لا يخافون شيئا و لا يحزنون لشي‏ء، قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏(24)، و كالمقربين و المجتبين و الصديقين و الصالحين و المؤمنين و لكل منهم خواص من العلم و الإدراك يختصون بها، سنبحث عنها في المحالّ المناسبة لها.

و نظير هذه المقامات الحسنة مقامات سوء في مقابلها، و لها خواص رديئة في باب العلم و المعرفة، و لها أصحاب كالكافرين و المنافقين و الفاسقين و الظالمين و غيرهم، و لهم أنصباء من سوء الفهم و رداءة الإدراك لآيات اللّه و معارفه الحقة، طوينا ذكرها إيثارا للاختصار، و سنتعرض لها في خلال أبحاث هذا الكتاب إن شاء اللّه.

العاشر: أن للقرآن اتساعا من حيث انطباقه على المصاديق و بيان حالها فالآية منه لا تختص بمورد نزولها بل تجري في كل مورد يتحد مع مورد النزول ملاكا كالأمثال التي لا تختص بمواردها الأول، بل تتعداها إلى ما يناسبها و هذا المعنى هو المسمى بجري القرآن ...

الإعجاز و التحدي في القرآن الكريم، سيد محمد حسين طباطبائى / قاسم الهاشمى‏ / موسسة الاعلمى للمطبوعات‏- بيروت‏ / 1423 / 2002

مأخذ:

(1) المائدة- 6.

(2) آل عمران- 102.

(3) فاطر- 10.

(4) المائدة- 105.

(5) المجادلة- 11.

(6) الزخرف- 3 و 4.

(7) الرعد- 17.

(8) آل عمران- 102.

(9) آل عمران- 162 و 163.

(10) الأحقاف- 19.

(11) الأنعام- 132.

(12) العنكبوت- 69.

(13) الحجر- 99.

(14) الروم- 10.

(15) البراءة- 77.

(16) فاطر- 10.

(17) الصافات- 159 و 160.

(18) الأنعام- 75.

(19) المؤمن- 13.

(20) العنكبوت- 43.

(21) محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- 24.

(22) النساء- 82.

(23) الواقعة- 77 إلى 79.

(24) يونس- 62.