")
المحكم و المتشابه و التأويل في القرآن الكريم (2)
التحدي بالإعجاز

الفصل الثاني المحكمات أم الكتاب‏

ذكر جماعة: أن كون الآيات المحكمة أم الكتاب كونها أصلا في الكتاب عليه تبتني قواعد الدين و أركانها فيؤمن بها و يعمل بها، و ليس الدين إلّا مجموعا من الاعتقاد و العمل، و أما الآيات المتشابهة فهي لتزلزل مرادها و تشابه مدلولها لا يعمل بها بل إنما يؤمن بها إيمانا.

و أنت بالتأمل فيما تقدم من الأقوال تعلم: أن هذا لازم بعض الأقوال المتقدمة، و هي التي ترى أن المتشابه إنما صار متشابها لاشتماله على تأويل يتعذر الوصول إليه و فهمه، أو أن المتشابه يمكن حصول العلم به و رفع تشابهه في الجملة أو بالجملة بالرجوع إلى عقل أو لغة أو طريقة عقلائية يستراح إليها في رفع الشبهات اللفظية.

و قال آخرون: إن معنى أمومة المحكمات رجوع المتشابهات إليها، و كلامهم مختلف في تفسير هذا الرجوع، فظاهر بعضهم: أن المراد بالرجوع هو قصر المتشابهات على الإيمان و الاتباع العملي في مواردها للمحكم كالآية المنسوخة يؤمن بها و يرجع في موردها إلى العمل بالناسخة، و هذا القول لا يغاير القول الأول كثير مغايرة، و ظاهر بعض آخر أن معناها كون المحكمات مبينة للمتشابهات، رافعة لتشابهها.

و الحق هو المعنى الثالث، فإن معنى الأمومة الذي يدل عليه قوله:

هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ‏ يتضمن عناية زائدة و هو أخص من معنى الأصل الذي فسرت به الأم في القول الأوّل، فإن في هذه اللفظة أعني لفظة الأم عناية

بالرجوع الذي فيه انتشاء و اشتقاق و تبعض، فلا تخلو اللفظة عن الدلالة على كون المتشابهات ذات مداليل ترجع و تتفرع على المحكمات، و لازمه كون المحكمات مبينة للمتشابهات.

على أن المتشابه إنما كان متشابها لتشابه مراده لا لكونه ذا تأويل، فإن التأويل كما مرّ يوجد للمحكم كما يوجد للمتشابه، و القرآن يفسر بعضه بعضا فللمتشابه مفسر و ليس إلّا المحكم، مثال ذلك قوله تعالى: إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ(1)، فإنها آية متشابهة، و بإرجاعها إلى قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ(2)، و قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ(3) يتبين: أن المراد بها نظرة و رؤية من غير سنخ رؤية البصر الحسي، و قد قال تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏. أَ فَتُمارُونَهُ عَلى‏ ما يَرى‏(4) إلى أن قال: لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى(5)، فأثبت للقلب رؤية تخصّه، و ليس هو الفكر فإن الفكر إنما يتعلق بالتصديق و المركب الذهني و الرؤية إنما تتعلق بالمفرد العيني، فيتبين بذلك أنه توجه من القلب ليست بالحسيّة الماديّة و لا بالعقلية الذهنية، و الأمر على هذه الوتيرة في سائر المتشابهات.

الفصل الثالث حقيقة التأويل في القرآن الكريم‏

فسر قوم من المفسرين التأويل بالتفسير و هو المراد من الكلام، و إذ كان المراد من بعض الآيات معلوما بالضرورة كان المراد بالتأويل على هذا من قوله تعالى: وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ‏(6)، هو المعنى المراد بالآية المتشابهة فلا طريق إلى العلم بالآيات المتشابهة على هذا القول لغير اللّه سبحانه أو لغيره و غير الراسخين في العلم.

و قالت طائفة أخرى: إن المراد بالتأويل: هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ و قد شاع هذا المعنى بحيث عاد اللفظ حقيقة ثانية فيه بعد ما كان بحسب اللفظ لمعنى مطلق الإرجاع أو المرجع.

و كيف كان فهذا المعنى هو الشائع عند المتأخرين كما أن المعنى الأول هو الذي كان شائعا بين قدماء المفسرين، سواء فيه من كان يقول: إن التأويل لا يعلمه إلّا اللّه، و من كان يقول: إن الراسخين في العلم أيضا يعلمونه كما نقل عن ابن عباس، أنه كان يقول: أنا من الراسخين في العلم و أنا أعلم تأويله. و ذهبت طائفة أخرى: إلى أن التأويل معنى من معاني الآية لا يعلمه إلّا اللّه تعالى، أو لا يعلمه إلّا اللّه و الراسخون في العلم مع عدم كونه خلاف ظاهر اللفظ فيرجع الأمر إلى أن للآية المتشابهة معاني متعددة بعضها تحت بعض، منها ما هو تحت اللفظ يناله جميع الأفهام، و منها ما هو أبعد منه لا يناله إلّا اللّه سبحانه أو هو تعالى و الراسخون في العلم.

و قد اختلفت أنظارهم في كيفية ارتباط هذه المعاني باللفظ فإن من المتيقن أنها من حيث كونها مرادة من اللفظ ليست في عرض واحد و إلّا لزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد و هو غير جائز على ما بين في محله، فهي لا محالة معان مترتبة في الطول: فقيل: إنها لوازم معنى اللفظ إلّا أنها لوازم مترتبة بحيث يكون للفظ معنى مطابقي و له لازم و للازمه لازم و هكذا، و قيل: إنها معان مترتبة بعضها على بعض ترتب الباطن على ظاهره، فإرادة المعنى المعهود المألوف إرادة لمعنى اللفظ و إرادة لباطنه بعين إرادته نفسه كما أنك إذا قلت: اسقني فلا تطلب بذلك إلّا السقي و هو بعينه طلب للإرواء، و طلب لرفع الحاجة الوجودية، و طلب للكمال الوجودي و ليس هناك أربعة أوامر و مطالب بل الطلب الواحد المتعلق بالسقي متعلق بعينه بهذه الأمور التي بعضها في باطن بعض و السقي مرتبط بها و معتمد عليها.

و هاهنا قول رابع: و هو أن التأويل ليس من قبيل المعاني المرادة باللفظ بل هو الأمر العيني الذي يعتمد عليه الكلام، فإن كان الكلام حكما إنشائيا كالأمر و النهي فتأويله المصلحة التي توجب إنشاء الحكم و جعله و تشريعه، فتأويل قوله: أقيموا الصلاة مثلا هو الحالة النورانية الخارجية التي تقوم بنفس المصلي في الخارج فتنهاه عن الفحشاء و المنكر، و إن كان الكلام خبريا فإن كان إخبارا عن الحوادث الماضية كان تأويله نفس الحادثة الواقعة في ظرف الماضي كالآيات المشتملة على أخبار الأنبياء و الأمم الماضية فتأويلها نفس القضايا الواقعة في الماضي، و إن كان إخبارا عن الحوادث و الأمور الحالية و المستقبلة فهو على قسمين: فإما أن يكون المخبر به من الأمور التي تناله الحواس أو تدركه العقول كان أيضا تأويله ما هو في الخارج من القضية الواقعة كقوله تعالى: وَ فِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ‏(7)، و قوله تعالى: غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ‏(8) و إن كان من الأمور المستقبلة الغيبية التي لا تنالها حواسنا الدنيوية و لا تدرك حقيقتها عقولنا كالأمور المربوطة بيوم القيامة و وقت‏ الساعة و حشر الأموات و الجمع و السؤال و الحساب و تطاير الكتب، أو كان مما هو خارج من سنخ الزمان و إدراك العقول كحقيقة صفاته و أفعاله تعالى فتأويلها أيضا نفس حقائقها الخارجية.

و الفرق بين هذا القسم أعني الآيات المبينة لحال صفات اللّه تعالى و أفعاله و ما يلحق بها من أحوال يوم القيامة و نحوها و بين الأقسام الأخر أن الأقسام الأخر يمكن حصول العلم بتأويلها بخلاف هذا القسم، فإنه لا يعلم حقيقة تأويله إلّا اللّه تعالى، نعم يمكن أن يناله الراسخون في العلم بتعليم اللّه تعالى بعض النيل على قدر ما تسعه عقولهم، و أما حقيقة الأمر الذي هو حق التأويل فهو مما استأثر اللّه سبحانه بعلمه.

فهذا هو الذي يتحصل من مذاهبهم في معنى التأويل، و هي أربعة.

و هاهنا أقوال أخر ذكروها هي في الحقيقة من شعب القول الأول و إن تحاشى القائلون بها عن قبوله.

فمن جملتها أن التفسير أعم من التأويل، و أكثر استعماله في الألفاظ و مفرداتها و أكثر استعمال التأويل في المعاني و الجمل، و أكثر ما يستعمل التأويل في الكتب الإلهية، و يستعمل التفسير فيها و في غيرها.

و من جملتها: أن التفسير بيان معنى اللفظ الذي لا يحتمل إلّا وجها واحدا و التأويل تشخيص أحد محتملات اللفظ بالدليل استنباطا.

و من جملتها: أن التفسير بيان المعنى المقطوع من اللفظ و التأويل ترجيح أحد المحتملات من المعاني غير المقطوع بها، و هو قريب من سابقه.

و من جملتها أن التفسير بيان دليل المراد و التأويل بيان حقيقة المراد.

مثاله: قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ(9) فتفسيره: أن المرصاد مفعال من قولهم: رصد يرصد إذا راقب، و تأويله التحذير عن التهاون بأمر اللّه و الغفلة عنه.

و من جملتها: أن التفسير بيان المعنى الظاهر من اللفظ و التأويل بيان المعنى المشكل.

و من جملتها: أن التفسير يتعلق بالرواية و التأويل يتعلق بالدراية.

و من جملتها: أن التفسير يتعلق بالاتباع و السماع و التأويل يتعلق بالاستنباط و النظر.

فهذه سبعة أقوال هي في الحقيقة من شعب القول الأول الذي نقلناه، يرد عليها ما يرد عليه و كيف كان فلا يصح الركون إلى شي‏ء من هذه الأقوال الأربعة و ما ينشعب منها.

أما إجمالا: فلأنك قد عرفت: أن المراد بتأويل الآية ليس مفهوما من المفاهيم تدل عليه الآية سواء كان مخالفا لظاهرها أو موافقا، بل هو من قبيل الأمور الخارجية، و لا كل أمر خارجي حتى يكون المصداق الخارجي للخبر تأويلا له، بل أمر خارجي مخصوص نسبته إلى الكلام نسبة الممثل إلى المثل (بفتحتين) و الباطن إلى الظاهر.

و أما تفصيلا فيرد على القول الأول: أن أقل ما يلزمه أن يكون بعض الآيات القرآنية لا ينال تأويلها أي تفسيرها أي المراد من مداليلها اللفظية عامة الأفهام و ليس في القرآن آيات كذلك بل القرآن ناطق بأنه إنما أنزل قرآنا لتناله الأفهام و لا مناص لصاحب هذا القول إلّا أن يختار أن الآيات المتشابهة إنما هي فواتح السور من الحروف المقطعة حيث لا تنال معانيها عامة الأفهام، و يرد عليه: أنه لا دليل عليه، و مجرد كون التأويل مشتملا على معنى الرجوع و كون التفسير أيضا غير خال عن معنى الرجوع لا يوجب كون التأويل هو التفسير كما أن الأم مرجع لأولادها و ليست بتأويل لهم، و الرئيس مرجع للمرءوس و ليس بتأويل له.

على أن ابتغاء الفتنة عد في الآية خاصة مستقلة للتشابه و هو يوجد في غير فواتح السور فإن أكثر الفتن المحدثة في الإسلام إنما حدثت باتباع علل الأحكام و آيات الصفات و غيرها.

و أما القول الثاني فيرد عليه: أن لازمه وجود آيات في القرآن أريد بها معان يخالفها ظاهرها الذي يوجب الفتنة في الدين بتنافيه مع المحكمات‏ و مرجعه إلى أن في القرآن اختلافا بين الآيات لا يرتفع إلّا بصرف بعضها عن ظواهرها إلى معان لا تفهمها عامة الأفهام، و هذا يبطل الاحتجاج الذي في قوله تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً(10)، إذ لو كان ارتفاع اختلاف آية مع آية بأن يقال: إنه أريد بإحداهما أو بهما معا غير ما يدل عليه الظاهر بل معنى تأويلي باصطلاحهم لا يعلمه إلّا اللّه سبحانه مثلا لم تنجح حجة الآية، فإن انتفاء الاختلاف بالتأويل باصطلاحهم في كل مجموع من الكلام و لو كان لغير اللّه أمر ممكن، و لا دلالة فيه على كونه غير كلام البشر، إذ من الواضح أن كل كلام حتى القطعي الكذب و اللغو يمكن إرجاعه إلى الصدق و الحق بالتأويل و الصرف عن ظاهره، فلا يدل ارتفاع الاختلاف بهذا المعنى عن مجموع كلام على كونه كلام من يتعالى عن اختلاف الأحوال، و تناقض الآراء، و السهو و النسيان و الخطأ و التكامل بمرور الزمان كما هو المعني بالاحتجاج في الآية، فالآية بلسان احتجاجها صريحة في أن القرآن معرض لعامة الأفهام، و مسرح للبحث و التأمل و التدبر، و ليس فيه آية أريد بها معنى يخالف ظاهر الكلام العربي، و كلا أن فيه أحجية و تعمية.

و أما القول الثالث فيرد عليه: أن اشتمال الآيات القرآنية على معان مترتبة بعضها فوق بعض و بعضها تحت بعض مما لا ينكره إلّا من حرم نعمة التدبر إلّا أنها جميعا- و خاصة لو قلنا إنها لوازم المعنى- مداليل لفظية مختلفة من حيث الانفهام و ذكاء السامع المتدبر و بلادته، و هذا لا يلائم قوله تعالى في وصف التأويل: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ‏، فإن المعارف العالية و المسائل الدقيقة لا تختلف فيها الأذهان من حيث التقوى و طهارة النفس بل من حيث الحدة و عدمها، و إن كانت التقوى و طهارة النفس معنيين في فهم المعارف الطاهرة الإلهية لكن ذلك ليس على نحو الدوران و العلية كما هو ظاهر قوله: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ‏.

و أما القول الرابع فيرد عليه: أنه و إن أصاب في بعض كلامه لكنه أخطأ في بعضه الآخر، فإنه و إن أصاب في القول بأن التأويل لا يختص‏ بالمتشابه بل يوجد لجميع القرآن، و أن التأويل ليس من سنخ المدلول اللفظي بل هو أمر خارجي يبتني عليه الكلام لكنه أخطأ في عد كل أمر خارجي مرتبط بمضمون الكلام حتى مصاديق الأخبار الحاكية عن الحوادث الماضية و المستقبلة تأويلا للكلام، و في حصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات و آيات القيامة.

توضيحه: أن المراد حينئذ من التأويل في قوله تعالى: وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ... إلخ ... إما أن يكون تأويل القرآن برجوع ضميره إلى الكتاب فلا يستقيم قوله: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ‏ ... إلخ ... فإن كثيرا من تأويل القرآن و هو تأويلات القصص بل الأحكام أيضا و آيات الأخلاق مما يمكن أن يعلمه غيره تعالى و غير الراسخين في العلم من الناس حتى الزائغون قلبا على قوله فإن الحوادث التي تدل عليها آيات القصص يتساوى في إدراكها جميع الناس من غير أن يحرم عنه بعضهم، و كذا الحقائق الخلقية و المصالح التي يوجدها العمل بالأحكام من العبادات و المعاملات و سائر الأمور المشرعة.

و إن كان المراد بالتأويل فيه تأويل المتشابه فقط استقام الحصر في قوله تعالى: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ‏، و أفاد أن غيره تعالى و غير الراسخين في العلم مثلا لا ينبغي لهم ابتغاء تأويل المتشابه، و هو يؤدي إلى الفتنة و إضلال الناس لكن لا وجه لحصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات و القيامة فإن الفتنة و الضلال كما يوجد في تأويلها يوجد في تأويل غيرها من آيات الأحكام و القصص و غيرهما كأن يقول القائل (و قد قيل) إن المراد من تشريع الأحكام إحياء الاجتماع الإنسانيّ بإصلاح شأنه بما ينطبق على الصلاح فلو فرض أن صلاح المجتمع في غير الحكم المشرع، أو أنه لا ينطبق على صلاح الوقت وجب اتباعه و إلغاء الحكم الديني المشرع.

و كأن يقول القائل (و قد قيل) إن المراد من كرامات الأنبياء المنقولة في القرآن أمور عادية، و إنما نقل بألفاظ ظاهرها خلاف العادة لصلاح استمالة قلوب العامة لانجذاب نفوسهم و خضوع قلوبهم لما يتخيلونه خارقا للعادة قاهرا لقوانين الطبيعة، و يوجد في المذاهب المنشعبة المحدثة في الإسلام شي‏ء كثير من هذه الأقاويل، و جميعها من التأويل في القرآن ابتغاء للفتنة بلا شك، فلا وجه لقصر المتشابه على آيات الصفات و آيات القيامة.

إذا عرفت ما مرّ علمت: أن الحق في تفسير التأويل أنه الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية من حكم أو موعظة أو حكمة، و أنه موجود لجميع الآيات القرآنية: محكمها و متشابهها، و أنه ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ بل هي من الأمور العينية المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ، و إنما قيدها اللّه سبحانه بقيد الألفاظ لتقريبها من أذهاننا بعض التقريب فهي كالأمثال تضرب ليقرب بها المقاصد و توضح بحسب ما يناسب فهم السامع كما قال تعالى: وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ‏(11) و في القرآن تصريحات و تلويحات بهذا المعنى.

على أنك قد عرفت فيما مرّ من البيان: أن القرآن لم يستعمل لفظ التأويل في الموارد التي استعملها- و هي ستة عشر موردا على ما عدت- إلّا في المعنى الذي ذكرناه ...

الفصل الرابع هل يعلم تأويل القرآن غير اللّه سبحانه‏

هذه المسألة أيضا من موارد الخلاف الشديد بين المفسرين، و منشؤه الخلاف الواقع بينهم في تفسير قوله تعالى‏ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا الآية، و أن الواو هل هو للعطف أو للاستئناف، فذهب بعض القدماء و الشافعية و معظم المفسرين من الشيعة إلى أن الواو للعطف و أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه من القرآن، و ذهب معظم القدماء و الحنفية من أهل السنة إلى أنه للاستئناف و أنه لا يعلم تأويل المتشابه إلّا اللّه و هو ممّا استأثر اللّه سبحانه بعلمه، و قد استدلت الطائفة الأولى على مذهبها بوجوه كثيرة، و ببعض الروايات، و الطائفة الثانية بوجوه أخر و عدة من الروايات الواردة في أن تأويل المتشابهات ممّا استأثر اللّه سبحانه بعلمه و تمادت كل طائفة في مناقضة صاحبتها و المعارضة مع حججها. و الذي ينبغي أن يتنبه له الباحث في المقام أن المسألة لم تخل عن الخلط و الاشتباه من أول ما دارت بينهم و وقعت موردا للبحث و التنقير، فاختلط رجوع المتشابه إلى المحكم، و بعبارة أخرى المعنى المراد من المتشابه بتأويل الآية كما ينبئ به ما عنونّا به المسألة و قررنا عليه الخلاف و قول كل من الطرفين آنفا.

و لذلك تركنا التعرض لنقل صحيح الطرفين لعدم الجدوى في إثباتها أو نفيها بعد ابتنائها على الخلط، و أما الروايات فإنها مخالفة لظاهر الكتاب فإن الروايات المثبتة، أعني الدالة على أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل فإنها أخذت التأويل مرادفا للمعنى المراد من لفظ المتشابه و لا تأويل في‏ القرآن بهذا المعنى، كما روي من طرق أهل السنّة: أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دعا لابن عباس فقال: اللهمّ فقهه في الدين و علمه التأويل، و ما روي من قول ابن عباس: أنا من الراسخين في العلم و أنا أعلم تأويله، و من قوله: إن المحكمات هي الآيات الناسخة و المتشابهات هي المنسوخة فإن لازم هذه الروايات على ما فهموه أن يكون معنى الآية المحكمة تأويلا للآية المتشابهة و هو الذي أشرنا إليه أن التأويل بهذا المعنى ليس موردا لنظر الآية.

و أما الروايات النافية أعني الدالة على أن غيره لا يعلم تأويل المتشابهات مثل ما روي أن ابن عباس كان يقرأ: و ما يعلم تأويله إلّا اللّه و يقول الراسخون في العلم آمنا به و كذلك كان يقرأ أبي بن كعب. و ما روي أن ابن مسعود كان يقرأ: و إن تأويله إلّا عند اللّه و الراسخون في العلم يقولون آمنا به، فهذه لا تصلح لإثبات شي‏ء: أما أولا؛ فلأن هذه القراءات لا حجية فيها، و أما ثانيا: فلأن غاية دلالتها أن الآية لا تدل على علم الراسخين في العلم بالتأويل و عدم دلالة الآية عليه غير دلالتها على عدمه كما هو المدعى فمن الممكن أن يدل عليه دليل آخر.

و مثل ما في الدر المنثور عن الطبراني عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: لا أخاف على أمتي إلّا ثلاث خصال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتلوا، و أن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله و ما يعلم تأويله إلّا اللّه و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا و ما يذكر إلّا أولوا الألباب، و أن يكثر علمهم فيضيعونه و لا يبالون به. و هذا الحديث على تقدير دلالته على النفي لا يدل إلّا على نفيه عن مطلق المؤمن لا عن خصوص الراسخين في العلم، و لا ينفع المستدل إلّا الثاني.

و مثل الروايات الدالة على وجوب اتباع المحكم و الإيمان بالمتشابه.

و عدم دلالتها على النفي ممّا لا يرتاب فيه.

و مثل ما في تفسير الآلوسي عن ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا:

أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال و حرام لا يعذر أحد بجهالته، و تفسير تفسره العلماء و متشابه لا يعلمه إلّا اللّه، و من ادعى علمه سوى اللّه تعالى فهو كاذب و الحديث مع كونه مرفوعا و معارضا بما نقل عنه من دعوة الرسول له و ادعائه العلم به لنفسه مخالف لظاهر القرآن: أن التأويل غير المعنى المراد بالمتشابه على ما عرفت فيما مرّ.

و الذي ينبغي أن يقال: أن القرآن يدل على جواز العلم بالتأويل لغيره تعالى و أما هذه الآية فلا دلالة لها على ذلك.

أما الجهة الثانية فلما مرّ في البيان السابق: أن الآية بقرينة صدرها و ذيلها و ما تتلوها من الآيات إنما هي في مقام بيان انقسام الكتاب إلى المحكم و المتشابه، و تفرق الناس في الأخذ بها فهم بين مائل إلى اتباع المتشابه لزيغ في قلبه و ثابت على اتباع المحكم و الإيمان بالمتشابه لرسوخ في علمه، فإنما القصد الأول في ذكر الراسخين في العلم بيان حالهم و طريقتهم في الأخذ بالقرآن و مدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين و طريقتهم و ذمهم، و الزاهد على هذا القدر خارج عن القصد الأول و لا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك إلّا وجوه غير تامة تقدمت الإشارة إليها، فيبقى الحصر المدلول عليه بقوله تعالى: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ‏ من غير ناقض ينقضه من عطف و استثناء و غير ذلك. فالذي تدل عليه الآية هو انحصار العلم بالتأويل فيه تعالى و اختصاصه به.

لكنه لا ينافي دلالة دليل منفصل يدل على علم غيره تعالى به بإذنه كما في نظائره مثل العلم بالغيب، قال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ‏(12) و قال تعالى: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ‏(13)، و قال تعالى: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ(14)، فدل جميع ذلك على الحصر ثم قال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى‏ غَيْبِهِ أَحَداً. إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ‏(15) فأثبت ذلك لبعض من هو غيره و هو من ارتضى من رسول، و لذلك نظائر في القرآن.

و أما الجهة الأولى- و هي أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره‏ تعالى في الجملة فبيانه: أن الآيات كما عرفت تدل على أن تأويله الآية أمر خارجي نسبته إلى مدلول الآية نسبة الممثل إلى المثل، فهو و إن لم يكن مدلولا للآية بما لها من الدلالة لكنه محكي لها محفوظ فيها نوعا من الحكاية و الحفظ، نظير قولك: «في الصيف ضيعت اللبن» لمن أراد أمرا قد فوت أسبابه من قبل، فإن المفهوم المدلول عليه بلفظ المثل و هو تضييع المرأة مع ذلك اللبن في الصيف لا ينطبق شي‏ء منه على المورد، و هو ممثل لحال المخاطب حافظ له يصوره في الذهن بصورة مضمنة في الصورة التي يعطيها الكلام بمدلوله.

كذلك أمر التأويل فالحقيقة الخارجية التي توجب تشريع حكم من الأحكام أو بيان معرفة من المعارف الإلهية أو وقوع حادثة هي مضمون قصّة من القصص القرآنية و إن لم تكن أمرا يدل عليه بالمطابقة نفس الأمر و النهي أو البيان أو الواقعة الكذائية إلّا أن الحكم أو البيان أو الحادثة لما كان كل منها ينتشئ منها و يظهر بها فهو أثرها الحاكي لها بنحو من الحكاية و الإشارة كما أن قول السيد لخادمه، اسقني ينتشئ عن اقتضاء الطبيعة الإنسانية لكمالها، فإن هذه الحقيقة الخارجية هي التي تقتضي حفظ الوجود و البقاء، و هو يقتضي بدل ما يتحلل من البدن، و هو يقتضي الغذاء اللازم و هو يقتضي الري، و هو يقتضي الأمر بالسقي مثلا، فتأويل قوله: اسقني هو ما عليه الطبيعة الخارجية الإنسانية من اقتضاء الكمال في وجوده، و بقائه، و لو تبدلت هذه الحقيقة الخارجية إلى شي‏ء آخر يباين الأول مثلا لتبدل الحكم الذي هو الأمر بالسقي إلى حكم آخر و كذا الفعل الذي يعرف فيفعل أو ينكر فيجتنب في واحد من المجتمعات الإنسانية على اختلافها الفاحش في الآداب و الرسوم إنما يرتضع من ثدي الحسن و القبح الذي عندهم و هو يستند إلى مجموعة متحدة متفقة من علل زمانية و مكانية و سوابق عادات و رسوم مرتكزة في ذهن الفاعل بالوراثة ممن سبقه، و تكرر المشاهدة ممن شاهده من أهل منطقته، فهذه العلة المؤتلفة الأجزاء هي تأويل فعله أو تركه من غير أن تكون عين فعله أو تركه لكنها محكيّة مضمنة محفوظة بالفعل أو الترك، و لو فرض تبدل المحيط الاجتماعي لتبدل ما أتى به من الفعل أو الترك.

فالأمر الذي له التأويل سواء كان حكما أو قصة أو حادثة يتغير بتغير التأويل لا محالة، و لذلك ترى أنه تعالى في قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ‏ الآية، لما ذكر اتباع أهل الزيغ ما ليس بمراد من المتشابه ابتغاء للفتنة ذكر أنهم بذلك يبتغون تأويله الذي ليس بتأويل له و ليس إلّا لأن التأويل الذي يأخذون به لو كان هو التأويل الحقيقي لكان اتباعهم للمتشابه اتباعا حقا غير مذموم و تبدل الأمر الذي يدل عليه المحكم و هو المراد من المتشابه إلى المعنى غير المراد الذي فهموه من المتشابه و اتبعوه.

فقد تبين: أن تأويل القرآن حقائق خارجية تستند إليه آيات القرآن في معارفها و شرائعها و سائر ما بينته بحيث لو فرض تغير شي‏ء من تلك الحقائق انقلب ما في الآيات من المضامين.

و إذا أجدت التدبر وجدت أن هذا ينطبق تمام الانطباق على قوله تعالى: وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ‏(16) فإنه يدل على أن القرآن النازل كان عند اللّه أمرا أعلى و أحكم من أن تناله العقول أو يعرضه التقطع و التفصل لكنه تعالى عناية بعباده جعله كتابا مقررا و ألبسه لباس العربية لعلهم يعقلون ما لا سبيل لهم إلى عقله و معرفته ما دام في أم الكتاب، و أم الكتاب هذا هو المدلول عليه بقوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ(17)، و بقوله: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ(18). و يدل على إجمال مضمون الآية أيضا قوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(19)، فالإحكام كونه عند اللّه بحيث لا ثلمة فيه و لا فصل، و التفصيل هو جعله فصلا فصلا و آية آية و تنزيله على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و يدل على هذه المرتبة الثانية التي تستند إلى الأولى قوله تعالى: وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى‏ مُكْثٍ وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا(20)، فقد كان القرآن غير مفروق الآيات ثم فرق و نزل تنزيلا و أوحي نجوما.

و ليس المراد بذلك أنه كان مجموع الآيات مرتب السور على الحال الذي هو عليه الآن عندنا كتابا مؤلفا مجموعا بين الدفتين مثلا ثم فرق و أنزل على النبي نجوما ليقرأه على الناس على مكث كما يفرقه المعلم المقرئ منا قطعات ثم يعلمه و يقرأه متعلمه كل يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه.

و ذلك أن بين إنزال القرآن نجوما على النبي و بين إلقائه قطعة قطعة على المتعلم فرقا بينا و هو دخالة أسباب النزول في نزول الآية على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا شي‏ء من ذلك و لا ما يشبهه في تعلم المتعلم، فالقطعات المختلفة الملقاة إلى المتعلم في أزمنة مختلفة يمكن أن تجمع و ينضم بعضها إلى بعض في زمان واحد و لا يمكن أن تجمع أمثال قوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اصْفَحْ‏(21) و قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ(22)، و قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها(23) و قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً(24)، و نحو ذلك فيلغى سبب النزول و زمانه ثمّ يفرض نزولها في أول البعثة أو في آخر زمان حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فالمراد بالقرآن في قوله تعالى: وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ‏ غير القرآن بمعنى الآيات المؤلفة.

و بالجملة فالمحصل من الآيات الشريفة أن وراء ما نقرأه و نعقله من القرآن أمرا هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد و المتمثل من المثال و هو الذي يسميه تعالى بالكتاب الحكيم- و هو الذي تعتمد و تتكي عليه معارف القرآن المنزل و مضامينه و ليس من سنخ الألفاظ المفرقة المقطعة و لا المعاني المدلول عليها بها، و هذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه لانطباق أوصافه و نعوته عليه. و بذلك تظهر حقيقة معنى التأويل، و يظهر سبب امتناع التأويل عن أن تمسّه الأفهام العادية و النفوس غير المطهرة.

ثمّ إنه تعالى قال: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(25)، و لا شبهة في ظهور الآيات في أن المطهرين من عباد اللّه هم يمسون القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون و المحفوظ من التغير، و من التغير تصرف الأذهان بالورود عليه و الصدور منه و ليس هذا المس إلّا نيل الفهم و العلم، و من المعلوم أيضا: أن الكتاب المكنون هذا هو أم الكتاب المدلول عليه بقوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏ و هو المذكور في قوله: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ‏.

و هؤلاء قوم نزلت الطهارة في قلوبهم، و ليس ينزلها إلّا اللّه سبحانه، فإنه تعالى لم يذكرها إلّا كذلك أي منسوبة إلى نفسه كقوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(26)، و قوله تعالى: وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ‏(27)، و ما في القرآن شي‏ء من الطهارة المعنوية إلّا منسوبة إلى اللّه أو بإذنه و ليست الطهارة إلّا زوال الرجس من القلب، و ليس القلب من الإنسان إلّا ما يدرك به و يريد به، فطهارة القلب طهارة نفس الإنسان في اعتقادها و إرادتها و زوال الرجس عن هاتين الجهتين، و يرجع إلى ثبات القلب فيما اعتقده من المعارف الحقة من غير ميلان إلى الشك و نوسان بين الحق و الباطل، و ثباته على لوازم ما علمه من الحق من غير تمايل إلى اتباع الهوى و نقض ميثاق العلم، و هذا هو الرسوخ في العلم فإن اللّه سبحانه ما وصف الراسخين في العلم إلّا بأنهم مهديون ثابتون على ما علموا غير زائغة قلوبهم إلى ابتغاء الفتنة فقد ظهر أن هؤلاء المطهرين راسخون في العلم، هذا.

و لكن ينبغي أن لا تشتبه النتيجة التي ينتجها هذا البيان، فإن المقدار الثابت بذلك أن المطهرين يعلمون التأويل، و لازم تطهيرهم أن يكونوا راسخين في علومهم، لما أن تطهير قلوبهم منسوب إلى اللّه و هو تعالى سبب‏ غير مغلوب، لا أن الراسخين في العلم يعلمونه بما أنهم راسخون في العلم أي إن الرسوخ في العلم سبب للعلم بالتأويل فإن الآية لا تثبت ذلك، بل ربما لاح من سياقها جهلهم بالتأويل حيث قال تعالى: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا الآية، و قد وصف اللّه تعالى رجالا من أهل الكتاب برسوخ العلم و مدحهم بذلك، و شكرهم على الإيمان و العمل الصالح في قوله: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ‏(28) الآية، و لم يثبت مع ذلك كونهم عالمين بتأويل الكتاب.

و كذلك إن الآية أعني قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ‏ لم تثبت للمطهرين إلّا مسّ الكتاب في الجملة، و أما أنهم يعلمون كل التأويل و لا يجهلون شيئا منه و لا في وقت فهي ساكتة عن ذلك، و لو ثبت لثبت بدليل منفصل.

الإعجاز و التحدي في القرآن الكريم، سيد محمد حسين طباطبائى / قاسم الهاشمى‏ / موسسة الاعلمى للمطبوعات‏- بيروت‏ / 1423 / 2002

مأخذ:

(1) القيامة- 23.

(2) الشورى- 11.

(3) الأنعام- 103.

(4) النجم- 11 و 12.

(5) النجم- 18.

(6) آل عمران- 7.

(7) التوبة- 47.

(8) الروم- 2 إلى 4.

(9) الفجر .. 14.

(10) النساء- 82.

(11) الزخرف- 2 إلى 4.

(12) النمل- 65.

(13) يونس- 20.

(14) الأنعام- 59.

(15) الجن- 26 و 27.

(16) الزخرف- 2 إلى 4.

(17) الرعد- 39.

(18) البروج- 21 و 22.

(19) هود- 1.

(20) الإسراء- 106.

(21) المائدة- 13.

(22) التوبة- 123.

(23) المجادلة- 1.

(24) التوبة- 103.

(25) الواقعة- 79.

(26) الأحزاب- 33.

(27) المائدة- 6.

(28) النساء- 162.