")
المحكم و المتشابه و التأويل في القرآن الكريم‏ (1)
التحدي بالإعجاز

اختلف القوم في المقام، و قد شاع الخلاف و اشتد الانحراف بينهم، و ينسحب ذيل النزاع و المشاجرة إلى الصدر الأول من مفسري الصحابة و التابعين، و قلما يوجد في ما نقل إلينا من كلامهم ما يقرب مما مرّ من البيان فضلا عن أن ينطبق عليه تمام الانطباق.

و السبب العمدة في ذلك الخلط بين البحث عن المحكم و المتشابه و بين البحث عن معنى التأويل، فأوجب ذلك اختلالا عجيبا في عقد المسألة و كيفية البحث و النتيجة المأخوذة منه، و نحن نورد تفصيل القول في كل واحد من أطراف هذه الأبحاث و ما قيل فيها و ما هو المختار من الحق مع تمييز مورد البحث بما تيسر في ضمن فصول:

الفصل الأول المحكم و المتشابه‏

الإحكام و التشابه من الألفاظ المتعددة المفاهيم في اللغة، و قد وصف بها الكتاب كما في قوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ‏(1) و قوله تعالى: كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ‏(2) و لم يتصف بهما إلّا جملة الكتاب من جهة إتقانه في نظمه و بيانه و من جهة تشابه نظمه و بيانه في البلوغ إلى غاية الإتقان و الإحكام.

لكن قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ‏(3) الآية، لما اشتمل على تقسيم نفس آيات الكتاب إلى المحكمات و المتشابهات علمنا أن المراد بالإحكام و التشابه هاهنا غير ما يتصف به تمام الكتاب‏

[الأقوال في معنى المحكم و المتشابه‏]

و كان من الحري البحث عن معناهما و تشخيص مصداقهما من الآيات، و فيه أقوال ربما تجاوزت العشرة:

أحدها: أن المحكمات هو قوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً(4) إلى آخر الآيات الثلاث و المتشابهات هي التي تشابهت على اليهود، و هي الحروف المقطعة النازلة في أوائل عدة من السور القرآنية مثل الم و الر و حم، و ذلك أن اليهود أولوها على حساب الجمل، فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة و عمرها فاشتبه عليهم الأمر نسب إلى ابن عباس من الصحابة.

و فيه أنه قول من غير دليل و لو سلم فلا دليل على انحصارهما فيهما، على أن لازمه وجود قسم ثالث ليس بمحكم و لا متشابه مع أن ظاهر الآية يدفعه.

لكن الحق أن النسبة في غير محلها، و الذي نقل عن ابن عباس أنه قال: إن الآيات الثلاث من المحكمات لا أن المحكمات هي الآيات الثلاث، ففي الدر المنثور أخرج سعيد بن منصور و ابن أبي حاتم و الحاكم و صححه ابن مردويه عن عبد اللّه بن قيس سمعت ابن عباس يقول في قوله منه آيات محكمات، قال: الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات:

قل تعالوا، و الآيتان بعدها. و يؤيد ذلك ما رواه عنه أيضا في قوله: آياتٌ مُحْكَماتٌ‏، قال: من هاهنا: قل تعالوا إلى آخر ثلاث آيات، و من هاهنا: وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏ إلى آخر ثلاث آيات، فالروايتان تشهدان أنه إنما ذكر هذه الآيات مثالا لسائر المحكمات لا أنه قصرها فيها.

و ثانيها: عكس الأول و هو أن المحكمات هي الحروف المقطعة في فواتح السور و المتشابهات غيرها

. نقل ذلك عن أبي فاختة حيث ذكر في‏ قوله تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ‏ أنهن فواتح السور منها يستخرج القرآن‏ الم ذلِكَ الْكِتابُ‏ منها استخرجت البقرة و الم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏، منها استخرجت آل عمران. و عن سعيد بن جبير مثله في معنى قوله: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ‏، قال: أصل الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب، انتهى.

و يدل ذلك على أنهما يذهبان في معنى فواتح السور إلى أن المراد بها ألفاظ الحروف بمعنى أن الكتاب الذي نزل عليكم هو هذه الحروف المقطعة التي تتألف منها الكلمات و الجمل، كما هو أحد المذاهب في معنى فواتح السور.

و فيه: مضافا إلى أنه مبني على ما لا دليل عليه أصلا أعني تفسير الحروف المقطعة في فواتح السور بما عرفت أنه لا ينطبق على نفس الآية فإن جميع القرآن غير فواتح السور يصير حينئذ من المتشابه، و قد ذمّ اللّه سبحانه اتباع المتشابه وعده من زيغ القلب مع أنه تعالى مدح اتباع القرآن بل عده من أوجب الواجبات كقوله تعالى: وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ‏(5) و غيره من الآيات.

و ثالثها: أن المتشابه هو ما يسمى مجملا و المحكم هو المبين.

و فيه: أن ما بيّن من أوصاف المحكم و المتشابه في الآية لا ينطبق على المجمل و المبين. بيان ذلك: أن إجمال اللفظ هو كونه بحيث يختلط و يندمج بعض جهات معناه ببعض فلا تنفصل الجهة المرادة عن غيرها، و يوجب ذلك تحير المخاطب أو السامع في تشخيص المراد و قد جرى دأب أهل اللسان في طرف التفاهم أن لا يتبعوا ما هذا شأنه من الألفاظ بل يستريحون إلى لفظ آخر مبين يبين هذا المجمل فيصير بذلك مبينا فيتبع فهذا حال المجمل مع مبينه، فلو كان المحكم و المتشابه هما المجمل و المبين بعينهما كان المتبع هو المتشابه إذا رد إلى المحكم دون نفس المحكم، و كان هذا الاتباع مما لا يجوزه قريحة التكلم و التفاهم فلم يقدم على مثله‏ أهل اللسان سواء في ذلك أهل الزيغ منهم و الراسخون في العلم و لم يكن اتباع المتشابه أمرا يلحقه الذم و يوجب زيغ القلب.

رابعها: أن المتشابهات هي الآيات المنسوخة لأنها يؤمن بها و لا يعمل بها، و المحكمات هي الآيات الناسخة

لأنها يؤمن بها و يعمل بها، و نسب إلى ابن عباس و ابن مسعود و ناس من الصحابة، و لذلك كان ابن عباس يحسب أنه يعلم تأويل القرآن.

و فيه: أنه على تقدير صحته لا دليل فيه على انحصار المتشابهات في الآيات المنسوخة فإن الذي ذكره تعالى من خواص اتباع المتشابه من ابتغاء الفتنة و ابتغاء التأويل جار في كثير من الآيات غير المنسوخة كآيات الصفات و الأفعال، على أن لازم هذا القول وجود الواسطة بين المحكم و المتشابه.

و فيما نقل عن ابن عباس ما يدل على أن مذهبه في المحكم و المتشابه أعم مما ينطبق على الناسخ و المنسوخ، و أنّه إنما ذكرهما من باب المثال ففي الدر المنثور أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: المحكمات ناسخه و حلاله و حرامه و حدوده و فرائضه و ما يؤمن به، و المتشابهات منسوخه و مقدمه و مؤخره و أمثاله و أقسامه و ما يؤمن به و لا يعمل به، انتهى.

خامسها: أن المحكمات ما كان دليله واضحا لائحا كدلائل الوحدانية و القدرة و الحكمة، و المتشابهات ما يحتاج في معرفته إلى تأمل‏ و تدبر.

و فيه: أنه إن كان المراد من كون الدليل واضحا لائحا أو محتاجا إلى التأمل و التدبر كون مضمون الآية ذا دليل عقلي قريب من البداهة أو بديهي و عدم كونه كذلك كان لازمه كون آيات الأحكام و الفرائض و نحوها من المتشابه لفقدانها الدليل العقلي اللائح الواضح، و حينئذ يكون اتباعها مذموما مع أنها واجبة الاتباع، و إن كان المراد به كونه ذا دليل واضح لائح من نفس الكتاب و عدم كونه كذلك فجميع الآيات من هذه الجهة على وتيرة واحدة، و كيف لا؟ و هو كتاب متشابه مثاني، و نور، و مبين، و لازمه كون الجميع محكما و ارتفاع المتشابه المقابل له من الكتاب و هو خلاف الفرض و خلاف النص.

سادسها: أن المحكم كل ما أمكن تحصيل العلم به بدليل جلي أو خفي، و المتشابه ما لا سبيل إلى العلم به‏ كوقت قيام الساعة و نحوه.

و فيه: أن الإحكام و التشابه صفتان لآية الكتاب من حيث إنها آية أي دالة على معرفة من المعارف الإلهية، و الذي تدل عليه آية من آيات الكتاب ليس بعادم للسبيل، و لا ممتنع الفهم إما بنفسه أو بضميمة غيره، و كيف يمكن أن يكون هناك أمر مراد من لفظ الآية و لا يمكن نيله من جهة اللفظ؟

مع أنه وصف كتابه بأنه هدى و أنه نور، و أنه مبين، و أنه في معرض فهم الكافرين فضلا عن المؤمنين حيث قال: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيراً وَ نَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ‏(6) و قال تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً(7)، فما تعرضت له آية من آيات الكتاب ليس بممتنع الفهم، و لا الوقوف عليه مستحيل، و ما لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت قيام الساعة و سائر ما في الغيب المكنون لم يتعرض لبيانه آية من الآيات بلفظها حتى تسمى متشابها.

على أن في هذا القول خلطا بين معنى المتشابه و تأويل الآية كما مرّ.

سابعها: أن المحكمات آيات الأحكام و المتشابهات غيرها

مما يصرف بعضها بعضا، نسب هذا القول إلى مجاهد و غيره.

و فيه: أن المراد بالصرف الذي ذكره إن كان مطلق ما يعين على تشخيص المراد باللفظ حتى يشمل مثل التخصيص بالمخصص، و التقييد بالمقيد و سائر القرائن المقامية كانت آيات الأحكام أيضا كغيرها متشابهات، و إن كان خصوص ما لا إبهام في دلالته على المراد و لا كثرة في محتملاته حتى يتعين المراد به بنفسه، و يتعين المراد بغيره بواسطته كان لازم كون ما سوى آيات الأحكام متشابهة أن لا يحصل العلم بشي‏ء من معارف القرآن غير الأحكام لأن المفروض عدم وجود آية محكمة فيها ترجع إليها المتشابهات منها، و يتبيّن بذلك معانيها.

ثامنها: أن المحكم من الآيات ما لا يحتمل من التأويل إلّا وجها واحدا و المتشابه ما احتمل من التأويل أوجها

كثيرة و نسب إلى الشافعي، و كأن المراد به أن المحكم ما لا ظهور له إلّا في معنى واحد كالنص و الظاهر القوي في ظهوره و المتشابه خلافه.

و فيه: أنه لا يزيد على تبديل اللفظ شيئا، فقد بدّل لفظ المحكم بما ليس له إلّا معنى واحد، و المتشابه بما يحتمل معاني كثيرة، على أنه أخذ التأويل بمعنى التفسير أي المعنى المراد باللفظ و قد عرفت أنه خطأ، و لو كان التأويل هو التفسير بعينه لم يكن لاختصاص علمه باللّه، أو باللّه و بالراسخين في العلم وجه فإن القرآن يفسر بعضه بعضا، و المؤمن و الكافر و الراسخين في العلم و أهل الزيغ في ذلك سواء.

تاسعها: أن المحكم ما أحكم و فصل فيه خبر الأنبياء مع أممهم، و المتشابه ما اشتبهت ألفاظه من قصصهم‏

بالتكرير في سور متعددة، و لازم هذا القول اختصاص التقسيم بآيات القصص.

و فيه: أنه لا دليل على هذا التخصيص أصلا، على أن الذي ذكره تعالى من خواص المحكم و المتشابه و هو ابتغاء الفتنة و ابتغاء التأويل في اتباع المتشابه دون المحكم لا ينطبق عليه، فإن هذه الخاصة توجد في غير آيات القصص كما توجد فيها، و توجد في القصة الواحدة كقصة جعل الخلافة في الأرض كما توجد في القصص المتكررة.

عاشرها: أن المتشابه ما يحتاج إلى بيان و المحكم خلافه‏، و هذا الوجه منسوب إلى الإمام أحمد.

و فيه: أن آيات الأحكام محتاجة إلى بيان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع أنها من المحكمات قطعا لما تقدم بيانه مرارا، و كذا الآيات المنسوخة من المتشابه كما تقدم مع عدم احتياجها إلى بيان لكونها نظائر لسائر آيات الأحكام.

الحادي عشر: أن المحكم ما يؤمن به و يعمل به و المتشابه ما يؤمن به و لا يعمل به‏، و نسب إلى ابن تيمية، و لعل المراد به: أن الأخبار متشابهات و الإنشاءات محكمات كما استظهره بعضهم و إلّا لم يكن قولا برأسه لصحة انطباقه على عدة من الأقوال المتقدمة.

و فيه: أن لازمه كون غير آيات الأحكام متشابهات، و لازمه أن لا يمكن حصول العلم بشي‏ء من المعارف الإلهية في غير الأحكام إذ لا يتحقق فيها عمل مع عدم وجود محكم فيها يرجع إليه ما تشابه منها، و من جهة أخرى: الآيات المنسوخة إنشاءات و ليست بمحكمات قطعا.

و الظاهر أن مراده من الإيمان و العمل بالمحكم و الإيمان من غير عمل بالمتشابه ما يدل عليه لفظ الآية: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا(8)، إلّا أن الأمرين أعني الإيمان و العمل معا في المحكم و الإيمان فقط في المتشابه لما كانا وظيفتين لكل من آمن بالكتاب كان عليه أن يشخص المحكم و المتشابه قبلا حتى يؤدي وظيفته، و على هذا فلا يكفي معرفة المحكم و المتشابه بهما في تشخيص مصداقهما و هو ظاهر.

الثاني عشر: أن المتشابهات هي آيات الصفات خاصة

أعم من صفات اللّه سبحانه كالعليم و القدير و الحكيم و الخبير، و صفات أنبيائه كقوله تعالى في عيسى بن مريم عليه السّلام: وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ‏(9) و ما يشبه ذلك، نسب إلى ابن تيمية.

و فيه: أنه مع تسليم كون آيات الصفات من المتشابهات لا دليل على انحصارها فيها. و الذي يظهر من بعض كلامه المنقول على طوله: أنه يأخذ المحكم و المتشابه بمعناهما اللغوي و هو ما أحكمت دلالته و ما تشابهت احتمالاته و المعنيان نسبيان فربما اشتبهت دلالة آية على قوم كالعامة و علمها آخرون بالبحث و هم العلماء، و هذا المعنى في آيات الصفات أظهر فإنها بحيث تشتبه مراداتها لغالب الناس لكون أفهامهم قاصرة عن الارتقاء إلى ما وراء الحس، فيحسبون ما أثبته اللّه تعالى لنفسه من العلم و القدرة و السمع و البصر و الرضا و الغضب و اليد و العين و غير ذلك أمورا جسمانية أو معاني ليست بالحق، و تقوم بذلك الفتن، و تظهر البدع، و تنشأ المذاهب فهذا معنى المحكم و المتشابه، و كلاهما مما يمكن أن يحصل به العلم، و الذي لا يمكن نيله و العلم به هو تأويل المتشابهات بمعنى حقيقة المعاني التي تدل عليها أمثال آيات الصفات، فهب أنّا علمنا معنى قوله‏ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ، و أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ و نحو ذلك لكنا لا ندري حقيقة علمه و قدرته و سائر صفاته و كيفية أفعاله الخاصة به، فهذا هو تأويل المتشابهات التي لا يعلمها إلّا اللّه تعالى، انتهى ملخصا، و سيأتي ما يتعلق بكلامه من البحث عند ما نتكلم في التأويل إن شاء اللّه.

الثالث عشر: أن المحكم ما للعقل إليه سبيل و المتشابه بخلافه.

و فيه: أنه قول من غير دليل، و الآيات القرآنية و إن انقسمت إلى ما للعقل إليه سبيل و ما ليس للعقل إليه سبيل، لكن ذلك لا يوجب كون المراد بالمحكم و المتشابه في هذه الآية استيفاء هذا التقسيم، و شي‏ء مما ذكر فيها من نعوت المحكم و المتشابه لا ينطبق عليه انطباقا صحيحا، على أنه منقوض بآيات الأحكام فإنها محكمة و لا سبيل للعقل إليها.

الرابع عشر: أن المحكم ما أريد به ظاهره و المتشابه ما أريد به خلاف ظاهره‏، و هذا قول شائع عند المتأخرين من أرباب البحث، و عليه يبتني اصطلاحهم في التأويل: أنه المعنى المخالف لظاهر الكلام، و كأنّه أيضا مراد من قال: إن المحكم ما تأويله تنزيله، و المتشابه ما لا يدرك إلّا بالتأويل.

و فيه: أنه اصطلاح محض لا ينطبق عليه ما في الآية من وصف المحكم و المتشابه فإنّ المتشابه إنما هو متشابه من حيث تشابه مراده و مدلوله، و ليس المراد بالتأويل المعنى المراد من المتشابه حتى يكون المتشابه متميزا عن المحكم بأن له تأويلا بل المراد بالتأويل في الآية أمر يعم جميع الآيات القرآنية من محكمها و متشابهها كما مرّ بيانه.

على أنه ليس في القرآن آية أريد فيها ما يخالف ظاهرها، و ما يوهم ذلك من الآيات إنما أريد بها معان تعطيها لها آيات أخر محكمة، و القرآن يفسر بعضه بعضا، و من المعلوم أن المعنى الذي تعطيه القرائن- متصلة أو منفصلة- للفظ ليس بخارج عن ظهوره و بالخصوص في كلام نص متكلمه على أن ديدنه أن يتكلم بما يتصل بعضه ببعض، و يشهد بعضه على بعض‏

و يرتفع كل اختلاف و تناف متراء بالتدبر فيه، قال تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً(10).

الخامس عشر: ما عن الأصم: أن المحكم ما أجمع على تأويله و المتشابه ما اختلف فيه‏

و كأن المراد بالإجماع و الاختلاف كون مدلول الآية بحيث تختلف فيه الأنظار أو لا تختلف.

و فيه: أن ذلك مستلزم لكون جميع الكتاب متشابها و ينافيه التقسيم الذي في الآية إذ ما من آية من آي الكتاب إلّا و فيه اختلاف ما: إما لفظا أو معنى أو في كونها ذات ظهور أو غيرها، حتى ذهب بعضهم إلى أن القرآن كله متشابه مستدلا بقوله تعالى: كِتاباً مُتَشابِهاً(11)، غفلة عن أن هذا الاستدلال منه يبتني على كون ما استدل به آية محكمة و هو يناقض قوله، و ذهب آخرون إلى أن ظاهر الكتاب ليس بحجة أي أنه لا ظاهر له.

السادس عشر: أن المتشابه ما أشكل تفسيره لمشابهته غيره‏

سواء كان الإشكال من جهة اللفظ أو من جهة المعنى، ذكره الراغب.

قال في مفردات القرآن: و المتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره، إما من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى، فقال الفقهاء:

المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده، و حقيقة ذلك: أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق، متشابه على الإطلاق، و محكم من وجه و متشابه من وجه.

فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، و متشابه من جهة المعنى فقط، و متشابه من جهتهما.

و المتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، و ذلك إما من جهة غرابته نحو الأب و يزفون، و إما من جهة مشاركة في اللفظ كاليد و العين، و الثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب، و ذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام نحو وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى‏ فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ(12) و ضرب لبسط الكلام نحو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ لأنه لو قيل ليس مثله شي‏ء كان أظهر للسامع، و ضرب لنظم الكلام نحو أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً(13) تقديره الكتاب قيما و لم يجعل له عوجا، و قوله: وَ لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ‏ إلى قوله‏ لَوْ تَزَيَّلُوا(14).

و المتشابه من جهة المعنى أوصاف اللّه تعالى و أوصاف يوم القيامة، فإن تلك الصفات لا تتصور لنا، إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه، أو لم يكن من جنس ما لم نحسه.

و المتشابه من جهة المعنى و اللفظ جميعا خمسة أضرب: الأول: من جهة الكمية كالعموم و الخصوص نحو فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏، و الثاني: من جهة الكيفية كالوجوب و الندب نحو فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ‏، و الثالث: من جهة الزمان كالناسخ و المنسوخ نحو اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏، و الرابع: من جهة المكان أو الأمور التي نزلت فيها نحو وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها و قوله: إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية، و الخامس: من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلاة و النكاح.

و هذه الجملة إذا تصورت علم: أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التفاسير نحو قول من قال المتشابه الم، و قول قتادة: المحكم الناسخ و المتشابه المنسوخ، و قول الأصم: المحكم ما أجمع على تأويله و المتشابه ما اختلف فيه.

ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب: ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة و خروج دابة الأرض و كيفية الدابة و نحو ذلك. و ضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة و الأحكام المغلقة و ضرب متردد بين الأمرين، يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم‏

و يخفى على من دونهم، و هو الضرب المشار إليه بقوله عليه السّلام في علي رضي اللّه عنه: اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل، و قوله لابن عباس مثل ذلك، انتهى كلامه و هو أعم الأقوال في معنى المتشابه جمع فيها بين عدة من الأقوال المتقدمة.

و فيه: أولا: أن تعميمه المتشابه لموارد الشبهات اللفظية كغرابة اللفظ و إغلاق التركيب و العموم و الخصوص و نحوها لا يساعد عليه ظاهر الآية فإن الآية جعلت المحكمات مرجعا يرجع إليه المتشابهات، و من المعلوم أن غرابة اللفظ و أمثالها لا تنحل عقدتها من جهة دلالة المحكمات، بل لها مرجع آخر ترجع إليه و تتضح به.

و أيضا: الآية تصف المتشابهات بأنها من شأنها أن تتبع لابتغاء الفتنة، و من المعلوم: أن اتباع العام من غير رجوع إلى مخصصه، و المطلق من غير رجوع إلى مقيده و أخذ اللفظ الغريب مع الإعراض عما يفسره في اللغة مخالف لطريقة أهل اللسان لا تجوزه قريحتهم فلا يكون بالطبع موجبا لإثارة الفتنة لعدم مساعدة اللسان عليه.

و ثانيا: أن تقسيمه المتشابه بما يمكن فهمه لعامة الناس و ما لا يمكن فهمه لأحد و ما يمكن فهمه لبعض دون بعض ظاهر في أنه يرى اختصاص التأويل بالمتشابه و قد عرفت خلافه.

هذا هو المعروف من أقوالهم في معنى المحكم و المتشابه و تمييز مواردهما و قد عرفت ما فيها، و عرفت أيضا أن الذي يظهر من الآية على ظهورها و سطوع نورها خلاف ذلك كله، و أن الذي تعطيه الآية في معنى المتشابه أن تكون الآية مع حفظ كونها آية دالة على معنى مريب مردد لا من جهة اللفظ بحيث تعالجه الطرق المألوفة عند أهل اللسان كإرجاع العام و المطلق إلى المخصص و المقيد و نحو ذلك بل من جهة كون معناها غير ملائم لمعنى آية أخرى محكمة لا ريب فيه تبين حال المتشابهة.

و من المعلوم أن معنى آية من الآيات لا يكون على هذا الوصف إلّا مع كون ما يتبع من المعنى مألوفا مأنوسا عند الأفهام العامية تسرع الأذهان‏ الساذجة إلى تصديقه أو يكون ما يرام من تأويل الآية أقرب إلى قبول هذه الأفهام الضعيفة الإدراك و التعقل.

و أنت إذا تتبعت البدع و الأهواء و المذاهب الفاسدة التي انحرفت فيها الفرق الإسلامية عن الحق القويم بعد زمن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سواء كان في المعارف أو في الأحكام وجدت أكثر مواردها من اتباع المتشابه، و التأويل في الآيات بما لا يرتضيه اللّه سبحانه.

ففرقة تتسمك من القرآن بآيات للتجسيم، و أخرى للجبر و أخرى للتفويض و أخرى لعثرة الأنبياء، و أخرى للتنزيه المحض بنفي الصفات، و أخرى للتشبيه الخالص و زيادة الصفات، إلى غير ذلك، كل ذلك للأخذ بالمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم الحاكم فيه.

و طائفة ذكرت: أن الأحكام الدينية إنما شرّعت لتكون طريقا إلى الوصول فلو كان هناك طريق أقرب منها كان سلوكه متعينا لمن ركبه فإنما المطلوب هو الوصول بأي طريق اتفق و تيسر، و أخرى قالت: إن التكليف إنما هو لبلوغ الكمال، و لا معنى لبقائه بعد الكمال بتحقق الوصول فلا تكليف لكامل.

و قد كانت الأحكام و الفرائض و الحدود و سائر السياسات الإسلامية قائمة و مقامة في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يشذ منها شاذ ثم لم تزل بعد ارتحاله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تنقص و تسقط حكما فحكما، يوما فيوما بيد الحكومات الإسلامية، و لم يبطل حكم أو حد إلّا و اعتذر المبطلون: أن الدين إنما شرع لصلاح الدنيا و إصلاح الناس، و ما أحدثوه أصلح لحال الناس اليوم، حتى آل الأمر إلى ما يقال: إن الغرض الوحيد من شرائع الدين إصلاح الدنيا بإجرائها، و الدنيا اليوم لا تقبل السياسة الدينية و لا تهضمها بل تستدعي وضع قوانين ترتضيها مدنية اليوم و اجرائها، و إلى ما يقال: إن التلبس بالأعمال الدينية لتطهير القلوب و هدايتها إلى الفكرة و الإرادة الصالحتين و القلوب المتدربة بالتربية الاجتماعية، و النفوس الموقوفة على خدمة الخلق في غنى عن التطهر بأمثال الوضوء و الغسل و الصلاة و الصوم.

إذا تأملت في هذه و أمثالها- و هي لا تحصى كثرة- و تدبرت في قوله‏ تعالى؛ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ‏(15) الآية، لم تشك في صحة ما ذكرناه، و قضيت بأن هذه الفتن و المحن التي غادرت الإسلام و المسلمين لم تستقر قرارها إلّا من طريق اتباع المتشابه، و ابتغاء تأويل القرآن.

و هذا- و اللّه أعلم- هو السبب في تشديد القرآن الكريم في هذا الباب و إصراره البالغ على النهي عن اتباع المتشابه و ابتغاء الفتنة و التأويل و الإلحاد في آيات اللّه و القول فيها بغير علم و اتباع خطوات الشيطان فإن من دأب القرآن أنه يبالغ في التشديد في موارد سينثلم من جهتها ركن من أركان الدين فتنهدم به بنيته كالتشديد الواقع في تولي الكفار، و مودة ذوي القربى، و قرار أزواج النبي عليه السّلام، و معاملة الربا، و اتحاد الكلمة في الدين و غير ذلك و لا يغسل رين الزيغ من القلوب و لا يسد طريق ابتغاء الفتنة اللذين منشأهما الركون إلى الدنيا و الإخلاد إلى الأرض و اتباع الهوى إلّا ذكر يوم الحساب كما قال تعالى: وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ‏(16) و لذلك ترى الراسخين في العلم المتأبين تأويل القرآن بما لا يرتضيه ربهم يشيرون إلى ذلك في خاتمة مقالهم حيث يقولون: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ.

الإعجاز و التحدي في القرآن الكريم، سيد محمد حسين طباطبائى / قاسم الهاشمى‏ / موسسة الاعلمى للمطبوعات‏- بيروت / ‏1423 / 2002

مأخذ:

(1) هود- 1.

(2) الزمر- 23.

(3) آل عمران- 7.

(4) الأنعام- 152.

(5) الأعراف- 157.

(6) حم السجدة- 2 إلى 4.

(7) النساء- 82.

(8) آل عمران- 7.

(9) النساء- 171.

(10) النساء- 82.

(11) الزمر- 23.

(12) النساء- 3.

(13) الكهف- 1 و 2.

(14) الفتح- 25.

(15) آل عمران- 7.

(16) ص- 26.