")
تصديق القرآن لقانون العليّة العامّة (2)
التحدي بالإعجاز

 الفصل الخامس القرآن كما يسند الخوارق إلى تأثير النفوس يسندها إلى أمر اللّه‏

ثمّ إنّ الجملة الأخيرة من الآية السابقة في الفصل أعني قوله تعالى:

فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِ‏، الآية، تدلّ على أنّ تأثير هذا المقتضى يتوقّف على أمر من اللّه تعالى يصاحب الإذن الذي كان يتوقّف عليه أيضا فتأثير هذا المقتضى يتوقّف على مصادفته الأمر أو اتحاده معه.

و قد فسّر الأمر في قوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏(1)، بكلمة الإيجاد و قول: كن. و قال تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِيلًا. وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏(2)، و قال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏(3)، دلّت الآيات على أنّ الأمر الذي للإنسان أن يريده و بيده زمام اختياره لا يتحقّق موجودا إلّا أن يشاء اللّه ذلك بأن يشاء أن يشاء الإنسان و يريد إرادة الإنسان فإنّ الآيات الشريفة في مقام أن أفعال الإنسان الإرادية و إن كانت بيد الإنسان بإرادته لكن الإرادة و المشيئة ليست بيد الإنسان بل هي مستندة إلى مشيئة اللّه سبحانه، و ليست في مقام بيان أنّ‏ كلّ ما يريده الإنسان فقد أراده اللّه فإنّه خطأ فاحش و لازمه أن يتخلّف الفعل عن إرادة اللّه سبحانه عند تخلّفه عن إرادة الإنسان، تعالى اللّه عن ذلك. مع أنّه خلاف ظواهر الآيات الكثيرة الواردة في هذا المورد كقوله تعالى: وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها(4)، و قوله تعالى: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً(5)، إلى غير ذلك فإرادتنا و مشيئتنا إذا تحقّقت فينا فهي مرادة بإرادة اللّه و مشيئته لها و كذا أفعالنا مرادة له تعالى من طريق إرادتنا و مشيئتنا بالواسطة. و هما أعني الإرادة و الفعل جميعا متوقفان على أمر اللّه سبحانه و كلمة كن.

فالأمور جميعا سواء كانت عادية أو خارقة للعادة و سواء كان خارق العادة في جانب الخير و السعادة كالمعجزة و الكرامة، أو في جانب الشر كالسحر و الكهانة مستندة في تحقّقها إلى أسباب طبيعيّة، و هي مع ذلك متوقّفة على إرادة اللّه، لا توجد إلّا بأمر اللّه سبحانه أي بأن يصادف السبب أو يتّحد مع أمر اللّه سبحانه.

و جميع الأشياء و إن كانت من حيث استناد وجودها إلى الأمر الإلهي على حدّ سواء بحيث إذا تحقّق الإذن و الأمر تحقّقت عن أسبابها، و إذا لم يتحقّق الإذن و الأمر لم تتحقّق، أي لم تتم السببيّة إلّا أنّ قسما منها و هو المعجزة من الأنبياء أو ما سأله عبد ربّه بالدعاء لا يخلو عن إرادة موجبة منه تعالى و أمر عزيمة كما يدلّ عليه قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي‏(6)، الآية، و قوله تعالى: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ‏(7)، الآية، و غير ذلك من الآيات المذكورة في الفصل السابق.

الفصل السادس القرآن يسند المعجزة إلى سبب غير مغلوب‏

فقد تبيّن من الفصول السابقة من البحث أن المعجزة كسائر الأمور الخارقة للعادة لا تفارق الأسباب العادية في الاحتياج إلى سبب طبيعي و أنّ مع الجميع أسبابا باطنيّة و أنّ الفرق بينها أنّ الأمور العادية ملازمة لأسباب ظاهريّة تصاحبها الأسباب الحقيقيّة الطبيعيّة غالبا أو مع الأغلب، و مع تلك الأسباب الحقيقيّة إرادة اللّه و أمره، و الأمور الخارقة للعادة من الشرور كالسحر و الكهانة مستندة إلى أسباب طبيعيّة مفارقة للعادة مقارنة للسبب الحقيقي بالإذن و الإرادة كاستجابة الدعاء و نحو ذلك من غير تحد يبتنى عليه ظهور حق الدعوة و أنّ المعجزة مستندة إلى سبب طبيعي حقيقي بإذن اللّه و أمره إذا كان هناك تحد يبتني عليه صحّة النبوّة و الرسالة و الدعوة إلى اللّه تعالى و أنّ القسمين الآخرين يفارقان سائر الأقسام في أنّ سببهما لا يصير مغلوبا مقهورا قط بخلاف سائر المسببات.

فإن قلت: فعلى هذا لو فرضنا الإحاطة و البلوغ إلى السبب الطبيعي الذي للمعجزة كانت المعجزة ميسورة ممكنة الإتيان لغير النبي أيضا و لم يبق فرق بين المعجزة و غيرها إلّا بحسب النسبة و الإضافة فقط فيكون حينئذ أمر ما معجزة بالنسبة إلى قوم غير معجزة بالنسبة إلى آخرين، و هم المطّلعون على سببها الطبيعي الحقيقي، و في عصر دون عصر، و هو عصر العلم، فلو ظفر البحث العلمي على الأسباب الحقيقيّة الطبيعيّة القصوى لم يبق مورد للمعجزة و لم تكشف المعجزة عن الحق.

و نتيجة هذا البحث أنّ المعجزة لا حجيّة فيها إلّا على الجاهل بالسبب فليست حجة في نفسها.

قلت كلّا فليست المعجزة معجزة من حيث أنّها مستندة إلى سبب طبيعي مجهول حتّى تنسلخ عن اسمها عند ارتفاع الجهل و تسقط عن الحجيّة، و لا أنّها معجزة من حيث استنادها إلى سبب مفارق للعادة، بل هي معجزة من حيث أنّها مستندة إلى أمر مفارق للعادة غير مغلوب السبب قاهرة العلّة البتة، و ذلك كما أنّ الأمر الحادث من جهة استجابة الدعاء كرامة من حيث استنادها إلى سبب غير مغلوب كشفاء المريض مع أنّه يمكن أن يحدث من غير جهته كجهة العلاج بالدواء غير أنّه حينئذ أمر عادي يمكن أن يصير سببه مغلوبا مقهورا بسبب آخر أقوى منه.

الفصل السابع القرآن يعد المعجزة برهانا على صحّة الرسالة لا دليلا عاميا

و هاهنا سؤال و هو أنّه ما هي الرابطة بين المعجزة و بين حقيّة دعوى الرسالة مع أنّ العقل لا يرى تلازما بين صدق الرسول في دعوته إلى اللّه سبحانه و بين صدور أمر خارق للعادة عن الرسول على أنّ الظاهر من القرآن الشريف، تقرير ذلك فيما يحكيه من قصص عدّة من الأنبياء كهود و صالح و موسى و عيسى و محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإنّهم على ما يقصه القرآن حينما بثوا دعوتهم سألوا عن آية تدلّ على حقيّة دعواهم فأجابوهم فيما سألوا و جاءوا بالآيات، و ربّما أعطوا المعجزة في أوّل البعثة قبل أن يسألهم أممهم شيئا من ذلك كما قال تعالى في موسى عليه السّلام و هارون: اذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآياتِي وَ لا تَنِيا فِي ذِكْرِي‏(8)، و قال تعالى في عيسى عليه السّلام: وَ رَسُولًا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى‏ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(9) و كذا إعطاء القرآن معجزة للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بالجملة فالعقل الصريح لا يرى تلازما بين حقيّة ما أتى به الأنبياء و الرسل من‏ معارف المبدأ و المعاد و بين صدور أمر يخرق العادة عنهم.

مضافا إلى أنّ قيام البراهين الساطعة على هذه الأصول الحقّة يغني العالم البصير بها عن النظر في أمر الإعجاز و لذا قيل إنّ المعجزات لإقناع نفوس العامّة لقصور عقولهم عن إدراك الحقائق العقليّة و أمّا الخاصّة فإنّهم في غنى عن ذلك.

و الجواب عن هذا السؤال أنّ الأنبياء و الرسل عليهم السّلام لم يأتوا بالآيات المعجزة لإثبات شي‏ء من معارف المبدأ و المعاد ممّا يناله العقل كالتوحيد و البعث و أمثالهما و إنّما اكتفوا في ذلك بحجة العقل و المخاطبة من طريق النظر و الاستدلال كقوله تعالى: قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏(10)، في الاحتجاج على التوحيد و قوله تعالى: وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ. أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ(11)، في الاحتجاج على البعث. و إنّما سئل الرسل المعجزة و أتوا بها لإثبات رسالتهم و تحقيق دعواها.

و ذلك أنّهم ادعوا الرسالة من اللّه بالوحي و أنّه بتكليم إلهي أو نزول ملك و نحو ذلك و هنا شي‏ء خارق للعادة في نفسه من غير سنخ الإدراكات الظاهرة و الباطنة التي يعرفها عامّة النّاس و يجدونها من أنفسهم، بل إدراك مستور عن عامّة النفوس لو صح وجوده لكان تصرفا خاصّا مما وراء الطبيعة في نفوس الأنبياء فقط، مع أنّ الأنبياء كغيرهم من أفراد الناس في البشريّة و قواها، و لذلك صادفوا إنكارا شديدا من الناس و مقاومة عنيفة في ردّه على أحد وجهين:

فتارة حاول الناس إبطال دعواهم بالحجّة كقوله تعالى: قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا(12)، استدلوا فيها على بطلان دعواهم الرسالة بأنّهم مثل سائر الناس و الناس لا يجدون شيئا ممّا يدعونه من أنفسهم مع وجود المماثلة، و لو كان لكان في الجميع أو جاز للجميع و لهذا، و هنا أجاب الرسل عن حجتهم بما حكاه اللّه تعالى عنهم بقوله: قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ‏(13)، فردّوا عليهم بتسليم المماثلة و أنّ الرسالة من منن اللّه الخاصّة، و الاختصاص ببعض النعم الخاصّة لا ينافي المماثلة، فللناس اختصاصات، نعم لو شاء اللّه أن يمن على من يشاء منهم فعل ذلك من غير مانع فالنبوة مختصّة بالبعض و إن جاز على الكل.

و نظير هذا الاحتجاج قولهم في النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على ما حكاه اللّه تعالى:

أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا(14)، و قولهم كما حكاه اللّه: وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏(15).

و نظير هذا الاحتجاج أو قريب منه ما في قوله تعالى: وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً. أَوْ يُلْقى‏ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها(16)، و وجه الاستدلال أنّ دعوى الرسالة توجب أن لا يكون بشرا مثلنا لكونه ذا أحوال من الوحي و غيره ليس فينا فلم يأكل الطعام و يمشي في الأسواق لاكتساب المعيشة؟ بل يجب أن ينزل معه ملك يشاركه في الإنذار أو يلقى إليه كنز فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق للكسب أو تكون له جنّة فيأكل منها لا ممّا نأكل منه من طعام، فردّ اللّه تعالى عليهم بقوله: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى أن قال: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَ كانَ رَبُّكَ بَصِيراً(17)، ورد تعالى في موضع آخر مطالبتهم مباشرة الملك للإنذار بقوله: وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ‏(18).

و قريب من ذلك الاحتجاج أيضا ما في قوله تعالى: وَ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى‏ رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً(19)، فأبطلوا بزعمهم دعوى الرسالة بالوحي بمطالبة أن يشهدوا نزول الملك أو رؤية الرب سبحانه لمكان المماثلة مع النبي، فردّ اللّه تعالى عليهم ذلك بقوله: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى‏ يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَ يَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً(20)، فذكر أنّهم و الحال حالهم لا يرون الملائكة إلّا مع حال الموت كما ذكره في موضع آخر بقوله تعالى: وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ. لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ ما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ‏(21) و تشتمل هذه الآيات الأخيرة على زيادة في وجه الاستدلال، و هو تسليم صدق النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في دعواه إلّا أنّه مجنون و ما يحكيه و يخبر به أمر يسوّله له الجنون غير مطابق للواقع كما في موضع آخر من قوله: وَ قالُوا مَجْنُونٌ وَ ازْدُجِرَ(22).

و بالجملة فأمثال هذه الآيات مسوقة لبيان إقامتهم الحجّة على إبطال دعوى النبوّة من طريق المماثلة.

و تارة أخرى أقاموا أنفسهم مقام الإنكار و سؤال الحجّة و البيّنة على صدق الدعوة لاشتمالها على ما تنكره النفوس و لا تعرفه العقول (على طريقة المنع مع السند باصطلاح فن المناظرة) و هذه البيّنة هي المعجزة بيان ذلك أنّ دعوى النبوّة و الرسالة من كل نبي و رسول على ما يقصّه القرآن إنّما كانت بدعوى الوحي و التكليم الإلهي بلا واسطة أو بواسطة نزول الملك، و هذا أمر لا يساعد عليه الحسّ و لا تؤيده التجربة فيتوجّه عليه الإشكال من جهتين: إحداهما من جهة عدم الدليل عليه، و الثانية من جهة الدليل على‏ عدمه، فإنّ الوحي و التكليم الإلهي و ما يتلوه من التشريع و التربية الدينية مما لا يشاهده البشر من أنفسهم و العادة الجارية في الأسباب و المسببات تنكره فهو أمر خارق للعادة و قانون العليّة العامّة لا يجوّزه، فلو كان النبي صادقا في دعواه النبوّة و الوحي كان لازمه أنّه متّصل بما وراء الطبيعة، مؤيد بقوّة إلهيّة تقدر على خرق العادة و أنّ اللّه سبحانه يريد بنبوّته و الوحي إليه خرق العادة فلو كان هذا حقّا و لا فرق بين خارق و خارق كان من الممكن أن يصدر من النبي خارق آخر للعادة من غير مانع و أن يخرق اللّه العادة بأمر آخر يصدّق النبوّة و الوحي من غير مانع عنه فإنّ حكم الأمثال واحد فلئن أراد اللّه هداية الناس بطريق خارق للعادة و هو طريق النبوّة و الوحي فليؤيّدها و ليصدّقها بخارق آخر و هو المعجزة.

و هذا هو الذي بعث الأمم إلى سؤال المعجزة على صدق دعوى النبوة كلما جاءهم رسول من أنفسهم بعث بالفطرة و الغريزة و كان سؤال المعجزة لتأييد الرسالة و تصديقها لا للدلالة على صدق المعارف الحقة التي كان الأنبياء يدعون إليها ممّا يمكن أن يناله البرهان كالتوحيد و المعاد و نظير هذا ما لو جاء رجل بالرسالة إلى قوم من قبل سيدهم الحاكم عليهم و معه أوامر و نواه يدعيها للسيد فإنّ بيانه لهذه الأحكام و إقامته البرهان على أن هذه الأحكام مشتملة على مصلحة القوم و هم يعلمون أن سيدهم لا يريد إلّا صلاح شأنهم، إنّما يكفي في كون الأحكام التي جاء بها حقة صالحة للعمل، و لا تكفي البراهين و الأدلّة المذكورة في صدق رسالته و أن سيدهم أراد منهم بإرساله إليهم ما جاء به من الأحكام بل يطالبونه ببيّنة أو علامة تدلّ على صدقه في دعواه ككتاب بخطه و خاتمه يقرءونه أو علامة يعرفونها، كما قال المشركون للنبي‏ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ‏(23).

فقد تبيّن بما ذكرناه أولا: التلازم بين صدق دعوى الرسالة و بين المعجزة و أنّها الدليل على صدق دعواها لا يتفاوت في ذلك حال الخاصّة و العامّة في دلالتها و إثباتها و ثانيا أن ما يجده الرسول و النبي من الوحي و يدركه منه من غير سنخ ما نجده بحواسنا و عقولنا النظرية الفكرية فالوحي‏ غير الفكر الصائب، و هذا المعنى في كتاب اللّه تعالى من الوضوح و السطوع بحيث لا يرتاب فيه من له أدنى فهم و أقل إنصاف.

و قد انحرف في ذلك جمع من الباحثين من أهل العصر فراموا بناء المعارف الإلهيّة و الحقائق الدينية على ما وضعته العلوم الطبيعية من أصالة المادّة المتحوّلة المتكاملة فقد رأوا أن الإدراكات الإنسانيّة خواص ماديّة مترشحة من الدماغ و أن الغايات الوجودية و جميع الكمالات الحقيقية استكمالات فردية أو اجتماعية مادية.

فذكروا أن النبوّة نوع نبوغ فكري و صفاء ذهني يستحضر به الإنسان المسمى نبيا كمال قومه الاجتماعي و يريد به أن يخلصهم من ورطة الوحشية و البربرية إلى ساحة الحضارة و المدنية فيستحضر ما ورثه من العقائد و الآراء و يطبقها على مقتضيات عصره و محيط حياته فيقنن لهم أصولا اجتماعية و كليات عملية يستصلح بها أفعالهم الحيوية ثمّ يتمم ذلك بأحكام و أمور عبادية ليستحفظ بها خواصهم الروحية لافتقار الجامعة الصالحة و المدنية الفاصلة إلى ذلك و يتفرع على هذا الافتراض:

أولا: أن النبي إنسان متفكر نابغ يدعو قومه إلى صلاح محيطهم الاجتماعي.

ثانيا: أن الوحي هو انتقاش الأفكار الفاضلة في ذهنه.

ثالثا: أن الكتاب السماوي مجموع هذه الأفكار الفاضلة المنزهة عن التهوسات النفسانية و الأغراض النفسانية الشخصية.

و رابعا: أن الملائكة التي أخبر بها النبي قوى طبيعية تدبّر أمور الطبيعة أو قوى نفسانية تفيض كمالات النفوس عليها، و أن روح القدس مرتبة من الروح الطبيعية المادية تترشح منها هذه الأفكار المقدسة، و أن الشيطان مرتبة من الروح تترشح منها الأفكار الردية و تدعو إلى الأعمال الخبيثة المفسدة للاجتماع، و على هذا الأسلوب فسروا الحقائق التي أخبر بها الأنبياء كاللوح و القلم و العرش و الكرسي و الكتاب و الحساب و الجنة و النار بما يلائم الأصول المذكورة.

و خامسا: أن الأديان تابعة لمقتضيات أعصارها تتحوّل بتحولها.

و سادسا: أن المعجزات المنقولة عن الأنبياء المنسوبة إليهم خرافات مجعولة أو حوادث محرّفة لنفع الدين و حفظ عقائد العامة عن التبدل بتحول الأعصار أو لحفظ مواقع أئمة الدين و رؤساء المذهب عن السقوط و الاضمحلال إلى غير ذلك مما أبدعه قوم و تبعهم آخرون.

هذه جمل ما ذكروه و النبوة بهذا المعنى لأن تسمى لعبة سياسية أولى بها من أن تسمى نبوّة إلهية، و الكلام التفصيلي في أطراف ما ذكروه خارج عن البحث المقصود في هذا المقام.

و الذي يمكن أن يقال فيه هاهنا أن الكتب السماوية و البيانات النبوية المأثورة على ما بأيدينا لا توافق هذا التفسير و لا تناسبه أدنى مناسبة، و إنما دعاهم إلى هذا النوع من التفسير إخلادهم إلى الأرض و ركونهم إلى مباحث المادة فاستلزموا إنكار ما وراء الطبيعة و تفسير الحقائق المتعالية عن المادة بما يسلخها عن شأنها و يعيدها إلى المادة الجامدة.

و ما ذكره هؤلاء هو في الحقيقة تطور جديد فيما كان يذكره آخرون فقد كانوا يفسرون جميع الحقائق المأثورة في الدين بالمادة غير أنهم كانوا يثبتون لها وجودات غائبة عن الحسّ كالعرش و الكرسي و اللوح و القلم و الملائكة و نحوها من غير مساعدة الحسّ و التجربة على شي‏ء من ذلك ثمّ لما اتسع نطاق العلوم الطبيعية و جرى البحث على أساس الحس و التجربة لزم الباحثين على ذلك الأسلوب أن ينكروا لهذه الحقائق وجوداتها المادية الخارجة عن الحسّ أو البعيدة عنه و أن يفسروها بما يعيدها إلى الوجود المادي المحسوس ليوافق الدين ما قطع به العلم و يستحفظ بذلك عن السقوط.

فهاتان الطائفتان بين باغ و عاد، أما القدماء من المتكلمين فقد فهموا من البيانات الدينية مقاصدها حق الفهم من غير مجاز غير أنهم رأوا أن مصاديقها جميعا أمور مادية محضة لكنها غائبة عن الحس غير محكومة بحكم المادة أصلا و الواقع خلافه، و أما المتأخرون من باحثي هذا العصر ففسروا البيانات الدينية بما أخرجوها به عن مقاصدها البيّنة الواضحة، و طبقوها على حقائق مادية ينالها الحس و تصدقها التجربة مع أنها ليست بمقصودة و لا البيانات اللفظية تنطبق على شي‏ء منها. و البحث الصحيح يوجب أن تفسر هذه البيانات اللفظية على ما يعطيها اللفظ في العرف و اللغة ثمّ يعتمد في أمر المصداق على ما يفسر به بعض الكلام بعضا ثمّ ينظر هل الأنظار العلمية تنافيها أو تبطلها؟ فلو ثبت فيها في خلال ذلك شي‏ء خارج عن المادة و حكمها فإنما الطريق إليه إثباتا أو نفيا طور آخر من البحث غير البحث الطبيعي الذي تتكفله العلوم الطبيعية، فما للعلم الباحث عن الطبيعة و للأمر الخارج عنها؟ فإن العلم الباحث عن المادة و خواصها ليس من وظيفته أن يتعرض لغير المادة و خواصها لا إثباتا و لا نفيا.

و لو فعل شيئا منه باحث من بحّاثه كان ذلك منه شططا من القول، نظير ما لو أراد الباحث في علم اللغة أن يستظهر من علمه حكم الفلك نفيا أو إثباتا ...(24)

الإعجاز و التحدي في القرآن الكريم، سيد محمد حسين طباطبائى / قاسم الهاشمى‏ / موسسة الاعلمى للمطبوعات‏- بيروت‏ / 1423 / 2002

مأخذ:

(1) يس- 82.

(2) الدهر- 29، 30.

(3) التكوير- 27، 28، 29.

(4) السجدة- 13.

(5) يونس- 99.

(6) المجادلة- 21.

(7) البقرة- 186.

(8) طه- 42.

(9) آل عمران- 49.

(10) إبراهيم- 10.

(11) ص- 28.

(12) إبراهيم- 102.

(13) إبراهيم- 13.

(14) ص- 8.

(15) الزخرف- 31.

(16) الفرقان- 8.

(17) الفرقان- 20.

(18) الأنعام- 9.

(19) الفرقان- 21.

(20) الفرقان- 22.

(21) الحجر- 8.

(22) القمر- 9.

(23) الإسراء- 93.

( 24) انظر جميع ما تقدم في المجلد الأول من تفسير الميزان ص 75.