")
جمع القرآن الكريم‏
التحدي بالإعجاز

في تاريخ اليعقوبي: قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: يا خليفة رسول اللّه إن حملة القرآن قد قتل أكثرهم يوم اليمامة فلو جمعت القرآن فإني أخاف عليه أن يذهب حملته، فقال له أبو بكر: أفعل ما لم يفعله رسول اللّه؟ فلم يزل به عمر حتى جمعه و كتبه في صحف و كان مفرّقا في الجريد و غيرها.

و أجلس خمسة و عشرين رجلا من قريش و خمسين رجلا من الأنصار فقال: اكتبوا القرآن و اعرضوا على سعيد بن العاص فإنه رجل فصيح.

و روى بعضهم أن علي بن أبي طالب عليه السّلام كان جمعه لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أتى به يحمله على جمل فقال: هذا القرآن قد جمعته. قال: و كان قد جزّأه سبعة أجزاء ثم ذكر الأجزاء.

و في تاريخ أبي الفداء: و قتل في قتال مسيلمة جماعة من القرّاء من المهاجرين و الأنصار، و لما رأى أبو بكر كثرة من قتل أمر بجمع القرآن من أفواه الرجال و جريد النخل و الجلود، و ترك ذلك المكتوب عند حفصة بنت عمر زوج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، انتهى.

و الأصل فيما ذكراه الروايات فقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد ابن ثابت قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ بقراء القرآن و إني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، و إني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟ قال عمر: هذا و اللّه خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح اللّه صدري لذلك و رأيت الذي رأى عمر.

قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك و قد كنت تكتب‏ الوحي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فتتبّع القرآن فاجمعه. فو اللّه لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟ قال: هو و اللّه خير.

فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر أبي بكر و عمر فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب و اللخاف و صدور الرجال، و وجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره: «لقد جاءكم رسول» حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه اللّه تعالى ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر.

و عن ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال:

قدم عمر فقال: من كان تلقى من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شيئا من القرآن فليأت به و كانوا يكتبون ذلك في الصحف و الألواح و العسب، و كان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان.

و عنه أيضا من طريق هشام بن عروة عن أبيه- و في الطريق انقطاع- أن أبا بكر قال لعمر و لزيد: اقعدوا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شي‏ء من كتاب اللّه فاكتباه.

و في الإتقان عن ابن أشتة في المصاحف عن الليث بن سعد قال: أول من جمع القرآن أبو بكر و كتبه زيد، و كان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية إلّا بشاهدي عدل، و إن آخر سورة براءة لم يوجد إلّا مع أبي خزيمة بن ثابت فقال: اكتبوها فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جعل شهادته بشهادة رجلين فكتب و إن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده.

و عن ابن أبي داود في المصاحف من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه قال: أتاني الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و وعيتهما، فقال عمر: و أنا أشهد لقد سمعتهما من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و وعيتهما، فقال عمر: و أنا أشهد لقد سمعتها ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا آخر سورة من القرآن فألحقوها في آخرها.

و عنه أيضا من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب أنهم جمعوا القرآن‏ فلما انتهوا إلى الآية التي في سورة براءة ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ‏ ظنوا أن هذا آخر ما أنزل فقال أبيّ: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أقرأني بعد هذا آيتين‏ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ‏ إلى آخر السورة.

و في الإتقان عن الدير عاقولي في فوائده حدثنا إبراهيم بن يسار حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد عن زيد بن ثابت قال: قال: قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لم يكن القرآن جمع في شي‏ء.

و في مستدرك الحاكم بإسناده عن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نؤلف القرآن من الرقاع، الحديث.

أقول: و لعل المراد ضم بعض الآيات النازلة نجوما إلى بعض السور أو إلحاق بعض السور إلى بعضها مما يتماثل صنفا كالطوال و المئين و المفصلات فقد ورد لها ذكر في الأحاديث النبوية، و إلّا فتأليف القرآن و جمعه مصحفا واحدا إنما كان بعد ما قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بلا إشكال، و على مثل هذا ينبغي أن يحمل ما يأتي.

في صحيح النسائي عن ابن عمر قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: اقرأه في شهر.

و في الإتقان عن ابن أبي داود بسند حسن عن محمد بن كعب القرظي قال: جمع القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل و عبادة بن الصامت و أبي بن كعب و أبو الدرداء و أبو أيوب الأنصاري.

و فيه عن البيهقي في المدخل عن ابن سيرين قال: جمع القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أربعة لا يختلف فيهم: معاذ بن جبل و أبيّ بن كعب و أبو زيد و اختلفوا في رجلين من ثلاثة: أبي الدرداء و عثمان، و قيل: عثمان و تميم الداري.

و فيه عنه و عن ابن أبي داود عن الشعبي قال: جمع القرآن في عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ستة: أبي و زيد و معاذ و أبو الدرداء و سعيد بن عبيد و أبو زيد و مجمع بن حارثة، و قد أخذه إلّا سورتين أو ثلاث.

و فيه أيضا عن ابن أشتة في كتاب المصاحف من طريق كهمس عن ابن‏ بريدة قال: أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة أقسم لا يرتدي برداء حتى يجمعه فجمعه، الحديث.

أقول: أقصى ما تدلّ عليه هذه الروايات مجرّد جمعهم ما نزل من السور و الآيات، و أما العناية بترتيب السور و الآيات كما هو اليوم أو بترتيب آخر فلا. هذا هو الجمع الأول في عهد أبي بكر.

و قد جمع القرآن ثانيا في عهد عثمان لما اختلفت المصاحف و كثرت القراءات.

قال اليعقوبي في تاريخه: و جمع عثمان القرآن و ألّفه و صيّر الطوال مع الطوال و القصار مع القصار من السور، و كتب في جمع المصاحف من الآفاق حتى جمعت ثم سلقها بالماء الحار و الخلّ، و قيل: أحرقها فلم يبق مصحف حتى فعل به ذلك خلا مصحف ابن مسعود.

و كان ابن مسعود بالكوفة فامتنع أن يدفع مصحفه إلى عبد اللّه بن عامر و كتب [إليه‏] عثمان أن أشخصه إن لم يكن هذا الدين خبالا و هذه الأمة فسادا فدخل المسجد و عثمان يخطب فقال عثمان: إنه قد قدمت عليكم دابة سوء فكلّم ابن مسعود بكلام غليظ فأمر به عثمان فجرّ برجله حتى كسر له ضلعان فتكلمت عائشة و قالت قولا كثيرا.

و بعث بها إلى الأمصار و بعث بمصحف إلى الكوفة و مصحف إلى البصرة و مصحف إلى المدينة و مصحف إلى مكة و مصحف إلى مصر و مصحف إلى الشام و مصحف إلى البحرين و مصحف إلى اليمن و مصحف إلى الجزيرة.

و أمر الناس أن يقرءوا على نسخة واحدة، و كان سبب ذلك أنه بلغه أن الناس يقولون: قرآن آل فلان فأراد أن يكون نسخته واحدة، و قيل: إن ابن مسعود كان كتب بذلك إليه فلما بلغه أنه كان يحرق المصاحف قال: لم أرد هذا، و قيل: كتب إليه بذلك حذيفة بن اليمان، انتهى موضع الحاجة.

و في الإتقان روى البخاري عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان و كان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية و أذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود و النصارى فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت و عبد اللّه بن الزبير و سعيد بن العاص و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.

و قال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم و زيد بن ثابت في شي‏ء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة و أرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا و أمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.

قال زيد: آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري:

«من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه» فألحقناها في سورتها في المصحف.

و فيه أخرج ابن أشتة من طريق أيوب عن أبي قلابة قال: حدثني رجل من بني عامر يقال له أنس بن مالك قال: اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان و المعلمون فبلغ عثمان بن عفان فقال: عندي تكذبون به و تلحنون فيه فمن نأى عني كان أشدّ تكذيبا و أكثر لحنا يا أصحاب محمد اجتمعوا و اكتبوا للناس إماما.

فاجتمعوا فكانوا إذا اختلفوا و تدارءوا في آية قالوا: هذه أقرأها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلانا فيرسل إليه و هو على رأس ثلاث من المدينة فيقال له: كيف أقرأك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم آية كذا و كذا؟ فيقول كذا و كذا فيكتبونها و قد تركوا لذلك مكانا.

و فيه عن ابن أبي داود من طريق ابن سيرين عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلا من قريش و الأنصار فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجي‏ء بها و كان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا تدارءوا في شي‏ء أخروه.

قال محمد: فظننت أنما كانوا يؤخرونه لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة فيكتبونه على قوله.

و فيه أخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال علي: لا تقولوا في عثمان إلّا خيرا فو اللّه ما فعل الذي فعل في المصاحف إلّا عن ملاء منا قال ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول:

إن قراءتي خير من قراءتك و هذا يكاد يكون كفرا قلنا: فما ترى؟.

[قال أرى‏] أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا يكون فرقة و لا اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت.

و في الدر المنثور أخرج ابن الضريس عن علباء بن أحمر أن عثمان بن عفان لما أراد أن يكتب المصاحف أرادوا أن يلقوا الواو التي في براءة وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ قال أبي: لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي فألحقوها.

و في الإتقان عن أحمد و أبي داود و الترمذي و النسائي و ابن حبان و الحاكم عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال و هي من المثاني، و إلى براءة و هي من المئين فقربتم بينهما و لم تكتبوا بينهما سطر بسم اللّه الرحمن الرحيم، و وضعتموهما في السبع الطوال.

فقال عثمان: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تنزل عليه السورة ذات العدد فكان إذا أنزل عليه الشي‏ء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا، و كانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة و كانت براءة من آخر القرآن نزولا و كانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لم يبين لنا أنها منها. فمن أجل ذلك قرنت بينهما، و لم أكتب بينهما سطر بسم اللّه الرحمن الرحيم و وضعتها في السبع الطوال.

أقول: السبع الطوال- على ما يظهر من هذه الرواية و روي أيضا عن ابن جبير- هي البقرة و آل عمران و النساء و المائدة و الأنعام و الأعراف و يونس، و قد كانت موضوعة في الجمع الأول على هذا الترتيب ثم غير عثمان هذا الترتيب فأخذ الأنفال و هي من المثاني و براءة و هي من المئين قبل المثاني فوضعهما بين الأعراف و يونس مقدما الأنفال على براءة.

نتيجة البحث:

الروايات التي مرّت سابقا هي أشهر الروايات الواردة في باب جمع القرآن و تأليفه بين صحيحة و سقيمة، و هي تدل على أن الجمع الأول كان جمعا لشتات السور المكتوبة في العسب و اللخاف و الأكتاف و الجلود و الرقاع و إلحاق الآيات النازلة متفرقة إلى سور تناسبها.

و إن الجمع الثاني و هو الجمع العثماني كان رد المصاحف المنتشرة عن الجمع الأول بعد عروض تعارض النسخ و اختلاف القراءات عليها إلى مصحف واحد مجمع عليه عدا ما كان من قول زيد أنه ألحق قوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏ الآية، في سورة الأحزاب في المصحف فقد كانت المصاحف تتلى خمس عشرة سنة و ليست فيها الآية.

و قد روى البخاري عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان‏ وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه.

و الذي يعطيه النظر الحر في هذه الروايات و دلالتها- و هي عمدة ما في هذا الباب- أنها آحاد غير متواترة لكنها محفوفة بقرائن قطعية فقد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يبلغ الناس ما نزّل إليه من ربه من غير أن يكتم منه شيئا، و كان يعلّمهم و يبيّن لهم ما نزّل إليهم من ربهم على ما نص عليه القرآن و لم يزل جماعة منهم يعلمون و يتعلمون القرآن تعلم تلاوة و بيان و هم القرّاء الذين قتل جم غفير منهم في غزوة اليمامة.

و كان الناس على رغبة شديدة في أخذ القرآن و تعاطيه و لم يترك هذا الشأن و لا ارتفع القرآن من بينهم و لا يوما أو بعض يوم حتى جمع القرآن في مصحف واحد ثم أجمع عليه فلم يبتل القرآن بما ابتليت به التوراة و الإنجيل و كتب سائر الأنبياء.

أضف إلى ذلك روايات لا تحصى كثرة وردت من طرق الشيعة و أهل‏ السنّة في قراءاته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كثيرا من السور القرآنية في الفرائض اليومية و غيرها بمسمع من ملأ الناس، و قد سمى في هذه الروايات جم غفير من السور القرآنية مكيتها و مدنيتها.

أضف إلى ذلك ما تقدم في رواية عثمان بن أبي العاص في تفسير قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ‏(1) الآية، من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن جبرئيل أتاني بهذه الآية و أمرني أن أضعها في موضعها من السورة، و نظير الرواية في الدلالة ما دل على قراءته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، لبعض السور النازلة نجوما كآل عمران و النساء و غيرها فيدل على أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يأمر كتاب الوحي بإلحاق بعض الآيات في موضعها.

و أعظم الشواهد القاطعة ما تقدم في أول هذه الأبحاث أن القرآن الموجود بأيدينا واجد لما وصفه اللّه تعالى من الأوصاف الكريمة.

و بالجملة الذي تدل عليه هذه الروايات هي:

أولا: أن الموجود فيما بين الدفتين من القرآن هو كلام اللّه تعالى فلم يزد فيه شي‏ء و لم يتغير منه شي‏ء و أما النقص فإنها لا تفي بنفيه نفيا قطعيا كما روي بعدة طرق أن عمر كان يذكر كثيرا آية الرجم و لم تكتب عنه و أما حملهم الرواية و سائر ما ورد في التحريف- و قد ذكر الآلوسي في تفسيره أنها فوق حد الإحصاء- على منسوخ التلاوة فقد عرفت فساده و تحققت أن إثبات منسوخ التلاوة أشنع من إثبات أصل التحريف. على أن من كان له مصحف غير ما جمعه زيد أولا بأمر من أبي بكر و ثانيا بأمر من عثمان كعلي عليه السّلام و أبي بن كعب و عبد اللّه بن مسعود لم ينكر شيئا مما حواه المصحف الدائر غير ما نقل عن ابن مسعود أنه لم يكتب في مصحفه المعوّذتين و كان يقول: إنهما عوذتان نزل بهما جبريل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليعوّذ بهما الحسنين عليه السّلام، و قد ردّه سائر الصحابة و تواترت النصوص من أئمة أهل البيت عليه السّلام على أنهما سورتان من القرآن.

و بالجملة: الروايات السابقة- كما ترى- آحاد محفوفة بالقرائن‏ القطعية نافية للتحريف بالزيادة و التغيير قطعا دون النقص إلّا ظنا، و دعوى بعضهم التواتر من حيث الجهات الثلاث لا مستند لها.

و التعويل في ذلك على ما قدمناه من الحجة في أول هذه الأبحاث أن القرآن الذي بأيدينا واجد للصفات الكريمة التي وصف اللّه سبحانه بها القرآن الواقعي الذي أنزله على رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ككونه فصلا و رافعا للاختلاف و ذكرا و هاديا و نورا و مبينا للمعارف الحقيقية و الشرائع الفطرية و آية معجزة إلى غير ذلك من صفاته الكريمة.

و من الحري أن نعوّل على هذا الوجه فإن حجة القرآن على كونه كلام اللّه المنزل على رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هي نفسه المتصفة بهاتيك الصفات الكريمة من غير أن يتوقف في ذلك على أمر آخر وراء نفسه كائنا ما كان فحجته معه أينما تحقق و بيد من كان و من أي طريق وصل.

و بعبارة أخرى لا يتوقف القرآن النازل من عند اللّه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في كونه متصفا بصفاته الكريمة على ثبوت استناده إليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بنقل متواتر أو متظافر- و إن كان واجدا لذلك- بل الأمر بالعكس فاتصافه بصفاته الكريمة هو الحجة على الاستناد فليس كالكتب و الرسائل المنسوبة إلى المصنّفين و الكتاب، و الأقاويل المأثورة عن العلماء و أصحاب الأنظار المتوقفة صحة استنادها إلى نقل قطعي و بلوغ متواتر أو مستفيض مثلا بل نفسه ذاته هي الحجة على ثبوته.

و ثانيا: إن ترتيب السور إنما هو من الصحابة في الجمع الأول و الثاني و من الدليل عليه ما تقدم في الروايات من وضع عثمان الأنفال و براءة بين الأعراف و يونس و قد كانتا في الجمع الأول متأخرتين.

و من الدليل عليه ما ورد من مغايرة ترتيب مصاحف سائر الصحابة للجمع الأول و الثاني كليهما كما روي أن مصحف علي عليه السّلام كان مرتبا على ترتيب النزول فكان أوله اقرأ ثم المدثر ثم نون ثم المزمّل ثم تبّت ثم التكوير و هكذا إلى آخر المكي و المدني نقله في الإتقان عن ابن فارس، و في تاريخ اليعقوبي ترتيب آخر لمصحفه عليه السّلام.

و نقل عن ابن أشتة في المصاحف بإسناده عن أبي جعفر الكوفي ترتيب‏ مصحف أبي و هو يغاير المصحف الدائر مغايرة شديدة، و كذا عنه فيه بإسناده عن جرير بن عبد الحميد ترتيب مصحف عبد اللّه بن مسعود آخذا من الطوال ثم المئين ثم المثاني ثم المفصّل و هو أيضا مغاير للمصحف الدائر.

و قد ذهب كثير منهم إلى أن ترتيب السور توقيفي و أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو الذي أمر بهذا الترتيب بإشارة من جبريل بأمر من اللّه سبحانه حتى أفرط بعضهم فادّعى ثبوت ذلك بالتواتر و ليت شعري أين هذا التواتر و قد تقدّمت عمدة روايات الباب و لا أثر فيها من هذا المعنى، و سيأتي استدلال بعضهم على ذلك بما ورد من نزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة ثم منها على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تدريجا.

و ثالثا: إن وقوع بعض الآيات القرآنية التي نزلت متفرقة موقعها الذي هي فيه الآن لم يخل عن مداخلة من الصحابة بالاجتهاد كما هو ظاهر روايات الآية الجمع الأول و قد تقدمت.

و أما رواية عثمان بن أبي العاص عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ‏ الآية، فلا تدل على أزيد من فعله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في بعض الآيات في الجملة لا بالجملة، و على تقدير التسليم لا دلالة لما بأيدينا من الروايات المتقدمة على مطابقة ترتيب الصحابة ترتيبه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و مجرّد حسن الظن بهم لا يسمح للروايات بدلالة تدلّ بها على ذلك و إنما يفيد أنهم ما كانوا ليعمدوا إلى مخالفة ترتيبه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيما علموه لا فيما جهلوه.

و في روايات الجمع الأول المتقدمة أوضح الشواهد على أنهم ما كانوا على علم بمواضع جميع الآيات و لا بنفسها.

و يدلّ على ذلك الروايات المستفيضة التي وردت من طرق الشيعة و أهل السنّة أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المؤمنين إنما كانوا يعلمون تمام السورة بنزول البسملة كما رواه أبو داود و الحاكم و البيهقي و البزّار من طريق سعيد بن جبير- على ما في الإتقان- عن ابن عباس قال: كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم اللّه الرحمن الرحيم، زاد البزّار: فإذا نزلت عرف أن السورة قد ختمت و استقبلت أو ابتدأت سورة أخرى.

و أيضا عن الحاكم من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم اللّه الرحمن الرحيم فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت، إسناده على شرط الشيخين.

و أيضا عنه من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا جاءه جبريل فقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم علم أنها سورة، إسناده صحيح.

أقول: و روي ما يقرب من ذلك في عدة روايات أخرى و روي ذلك من طرق الشيعة عن الباقر عليه السّلام.

و الروايات- كما ترى- صريحة في دلالتها على أن الآيات كانت مرتبة عند النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بحسب ترتيب النزول فكانت المكيّات في السورة المكيّة و المدنيات في سورة مدنيّة اللهم إلّا أن يفرض سورة نزل بعضها بمكة و بعضها بالمدينة و لا يتحقق هذا الفرض إلّا في سورة واحدة.

و لازم ذلك أن يكون ما نشاهده من اختلاف مواضع الآيات مستندا إلى اجتهاد من الصحابة.

توضيح ذلك أن هناك ما لا يحصى من روايات أسباب النزول يدل على كون آيات كثيرة في السور المدنية نازلة بمكة و بالعكس و على كون آيات من القرآن نازلة مثلا في أواخر عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هي واقعة في سور نازلة في أوائل الهجرة، و قد نزلت بين الوقتين سور أخرى كثيرة و ذلك كسورة البقرة التي نزلت في السنة الأولى من الهجرة و فيها آيات الربا و قد وردت الروايات على أنها من آخر ما نزلت على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى ورد عن عمر أنه قال: مات رسول اللّه و لم يبين لنا آيات الربا، و فيها قوله تعالى: وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ‏(2) الآية. و قد ورد أنها آخر ما نزل من القرآن على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

فهذه الآيات النازلة مفرقة الموضوعة في سور لا تجانسها في المكية و المدنية موضوعة في غير موضعها بحسب ترتيب النزول و ليس إلّا عن اجتهاد من الصحابة.

و يؤيد ذلك ما في الإتقان عن ابن حجر: و قد ورد عن علي أنه جمع‏ القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخرجه ابن أبي داود و هو من مسلمات مداليل روايات الشيعة.

هذا ما يدل عليه ظاهر روايات الباب المتقدمة لكن الجمهور أصروا على أن ترتيب الآيات توقيفي فآيات المصحف الدائر اليوم و هو المصحف العثماني مرتبة على ما رتبها عليه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بإشارة من جبريل، و أوّلوا ظاهر الروايات بأن جمع الصحابة لم يكن جمع ترتيب و إنما كان جمعا لما كانوا يعلمونه و يحفظونه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من السور و آياتها المرتبة، بين دفتين و في مكان واحد.

و أنت خبير بأن كيفية الجمع الأول التي تدلّ عليها الروايات تدفع هذه الدعوى دفعا صريحا.

و ربما استدل عليه بما ادّعاه بعضهم من الإجماع على ذلك فقد نقل السيوطي في الإتقان عن الزركشي دعوى الإجماع عليه و عن أبي جعفر بن الزبير نفي الخلاف فيه بين المسلمين، و هو إجماع منقول لا يعتمد عليه بعد وجود الخلاف في أصل التحريف و دلالة ما تقدم من الروايات على خلافه.

و ربما استدل عليه بالتواتر و يوجد ذلك في كلام كثير منهم ادعوا تواتر الترتيب الموجود عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو عجيب و قد نقل في الإتقان بعد نقله ما رواه البخاري و غيره بعدة طرق عن أنس أنه قال: مات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، و معاذ بن جبل و زيد بن ثابت و أبو زيد، و في رواية أبي بن كعب بدل أبي الدرداء.

عن المازري أنه قال: و قد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة و لا متمسّك لهم فيه فإنا لا نسلم حمله على ظاهره سلمنا و لكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك سلمناه لكن لا يلزم من كون كل من الجم الغفير لم يحفظه كله أن لا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير و ليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه بل إذا حفظ الكلّ الكل و لو على التوزيع كفى، انتهى.

أما دعواه أن ظاهر كلام أنس غير مراد فهو مما لا يصغى إليه في الأبحاث اللفظية المبنية على ظاهر اللفظ إلّا بقرينة من نفس كلام المتكلم أو ما ينوب منابه أما مجرد الدعوى و الاستناد إلى قول آخرين فلا.

على أنه لو حمل كلام أنس على خلاف ظاهره كان من الواجب أن يحمل على أن هؤلاء الأربعة إنما جمعوا في عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم معظم القرآن و أكثر سوره و آياته لا على أنهم و غيرهم من الصحابة جمعوا جميع القرآن على ما في المصحف العثماني و حفظوا ترتيب سوره و آياته و ضبطوا موضع كل واحدة واحدة منها عن آخرها فهذا زيد بن ثابت نفسه- و هو أحد الأربعة المذكورين في حديث أنس و المتصدي للجمع الأول و الثاني كليهما- يصرّح في رواياته أنه لم يحفظ جميع الآيات.

و نظيره ما في الإتقان عن ابن أشتة في المصاحف بسند صحيح عن محمد بن سيرين قال: مات أبو بكر و لم يجمع القرآن و قتل عمر و لم يجمع القرآن.

و أما قوله: سلمناه و لكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟

فمقلوب على نفسه فمن أين لهذا القائل أن الواقع في نفس الأمر كما يدعيه و قد عرفت الشواهد على خلاف ما يدّعيه؟

و أما قوله: إنه يكفي في تحقق التواتر أن يحفظ الكل كل القرآن على سبيل التوزيع فمغالطة واضحة لأنه إنما يفيد كون مجموع القرآن من حيث المجموع منقولا بالتواتر و أما كون كل واحدة واحدة من الآيات القرآنية محفوظة من حيث محلها و موضعها بالتواتر فلا و هو ظاهر.

و نقل في الإتقان عن البغوي أنه قال في شرح السنّة: الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله اللّه على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته فكتبوه كما سمعوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من غير أن قدموا شيئا أو أخروه أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يلقن أصحابه و يعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك و إعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا.

فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه‏ فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب أنزله اللّه جملة إلى السماء الدنيا ثم كان ينزله مفرقا عند الحاجة و ترتيب النزول غير ترتيب التلاوة، انتهى.

و نقل عن ابن الحصار أنه قال: ترتيب السور و وضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، و قد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و إنما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف، انتهى. و نقل أيضا ما يقرب من ذلك عن جماعة غيرهم كالبيهقي و الطيبي و ابن حجر.

أما قولهم: إن الصحابة إنما كتبوا المصحف على الترتيب الذي أخذوه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من غير أن يخالفوه في شي‏ء فمما لا يدل عليه شي‏ء من الروايات المتقدمة و إنما المسلم من دلالتها أنهم إنما أثبتوا ما قامت عليه البينة من متن الآيات و لا إشارة في ذلك إلى كيفية ترتيب الآيات النازلة مفرقة و هو ظاهر نعم في رواية ابن عباس المتقدّمة عن عثمان ما يشير إلى ذلك غير أن الذي فيه أنه كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يأمر بعض كتاب الوحي بذلك و هو غير إعلامه جميع الصحابة ذلك على أن الرواية معارضة بروايات الجمع الأول و أخبار نزول بسم اللّه و غيرها.

و أما قولهم: إن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لقن الصحابة هذا الترتيب الموجود في مصاحفنا بتوقيف من جبريل و وحي سماوي فكأنه إشارة إلى حديث عثمان ابن أبي العاص المتقدم في آية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ‏(3) و قد عرفت مما تقدم أنه حديث واحد في خصوص موضع آية واحدة، و أين ذلك من مواضع جميع الآيات المفرقة.

و أما قولهم: إن القرآن مكتوب على هذا الترتيب في اللوح المحفوظ أنزله اللّه إلى السماء الدنيا ثم أنزله اللّه مفرقا عند الحاجة ... إلخ، فإشارة إلى ما روي مستفيضا من طرق الشيعة و أهل السنّة من نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزوله منها نجوما إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لكن‏ الروايات ليس فيها أدنى دلالة على كون القرآن مكتوبا في اللوح المحفوظ منظما في السماء الدنيا على الترتيب الموجود في المصحف الذي عندنا و هو ظاهر.

و أما قولهم: إنه قد حصل اليقين بالنقل المتواتر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بهذا الترتيب الموجود في المصاحف فقد عرفت أنه دعوى خالية عن الدليل و أن هذا التواتر لا خبر عنه بالنسبة إلى كلّ آية آية كيف و قد تكاثرت الروايات أن ابن مسعود لم يكتب في مصحفه المعوذتين و كان يقول: إنهما ليستا من القرآن و إنما نزل بهما جبريل تعويذا للحسنين، و كان يحكهما عن المصاحف، و لم ينقل عنه أنه رجع عن قوله فكيف خفي عليه هذا التواتر طول حياته بعد الجمع الأول.

نظرة عابرة في روايات الإنساء

يتعلق بالبحث السابق البحث في روايات الإنساء- و قد مرّت إشارة إجمالية إليها- و هي عدة روايات وردت من طرق أهل السنّة في نسخ القرآن و إنسائه حملوا عليها ما ورد من روايات التحريف سقوطا و تغييرا.

فمنها ما في الدر المنثور عن ابن أبي حاتم و الحاكم في الكنى و ابن عديّ و ابن عساكر عن ابن عباس قال: كان مما ينزل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الوحي بالليل و ينسئه بالنهار فأنزل اللّه: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها(4).

و فيه عن أبي داود في ناسخه و البيهقي في الدلائل عن أبي أمامة أن رهطا من الأنصار من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخبروه أن رجلا قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها فلم يقدر منها على شي‏ء إلّا بسم اللّه الرحمن الرحيم و وقع ذلك لناس من أصحابه فأصبحوا فسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن السورة فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئا ثم قال: نسخت البارحة فنسخت من صدورهم و من كل شي‏ء كانت فيه.

أقول: و القصة مروية بعدة طرق في ألفاظ متقاربة مضمونا.

و فيه عن عبد الرزاق و سعيد بن منصور و أبي داود في ناسخه و ابنه في المصاحف و النسائي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الحاكم و صحّحه عن سعد بن أبي و قاص أنه قرأ: «ما ننسخ من آية أو ننسأها، فقيل له: إنّ سعيد بن المسيب يقرأ «ننسها» فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيّب و لا آل المسيّب، قال اللّه: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏.

أقول: يريد بالتمسك بالآيتين أن اللّه رفع النسيان عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيتعين أن يقرأ «ننسأها» من النس‏ء، بمعنى الترك و التأخير فيكون المراد بقوله‏ ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ إزالة الآية عن العمل دون التلاوة كآية صدقة النجوى، و بقوله: «أو ننسأها» ترك الآية و رفعها من عندهم بالمرة و إزالتها عن العمل و التلاوة كما روي تفسيرها بذلك عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و غيرهم.

و فيه أخرج ابن الأنباري عن أبي ظبيان قال: قال لنا ابن عباس: أي القراءتين تعدّون أول؟ قلنا: قراءة عبد اللّه و قراءتنا هي الأخيرة. فقال:

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يعرض عليه جبريل القرآن كل سنة مرة في شهر رمضان و إنه عرضه عليه في آخر سنة مرتين فشهد منه عبد اللّه ما نسخ ما بدل.

أقول: و هذا المعنى مروي بطرق أخرى عن ابن عباس و عبد اللّه بن مسعود نفسه و غيرهما من الصحابة و التابعين، و هناك روايات أخر في الإنساء. و محصّل ما استفيد منها أن النسخ قد يكون في الحكم كالآيات المنسوخة المثبتة في المصحف، و قد يكون في التلاوة مع نسخ حكمها أو من غير نسخ حكمها كما يظهر في تفسير قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ(5).

و قوله: وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ(6)، أن الآيتين أجنبيتان عن الإنساء بمعنى نسخ التلاوة، و تقدم أيضا في الفصول السابقة أن هذه الروايات مخالفة لصريح الكتاب فالوجه عطفها على روايات التحريف و طرح القبيلين جميعا(7)

الإعجاز و التحدي في القرآن الكريم، سيد محمد حسين طباطبائى / قاسم الهاشمى‏/ موسسة الاعلمى للمطبوعات‏- بيروت ‏/1423 / 2002

مأخذ:

(1) النحل- 90.

(2) البقرة- 281.

(3) النحل- 90.

(4) البقرة- 106.

( 5) البقرة- 106.

(6) النحل- 101.

(7) انظر جميع ما تقدم في المجلد الثاني عشر من الميزان ص 116.