")
عصمة القرآن عن التحريف
التحدي بالإعجاز

في فصول:

الفصل الأول القرآن ينفي وقوع التحريف فيه‏

من ضروريات التأريخ أن النبي العربي محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جاء قبل أربعة عشر قرنا- تقريبا- و ادعى النبوة و انتهض للدعوة و آمن به أمة من العرب و غيرهم، و أنه جاء بكتاب يسمّيه القرآن و ينسبه إلى ربه متضمن لجمل المعارف و كليات الشريعة التي كان يدعو إليها، و كان يتحدى به و يعده آية لنبوته، و أن القرآن الموجود اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جاء به و قرأه على الناس المعاصرين له في الجملة بمعنى أنه لم يضع من أصله بأن يفقد كله ثم يوضع كتاب آخر يشابهه في نظمه أو لا يشابهه و ينسب إليه و يشتهر بين الناس بأنه القرآن النازل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

فهذه أمور لا يرتاب في شي‏ء منها إلّا مصاب في فهمه و لا احتمل بعض ذلك أحد من الباحثين في مسألة التحريف من المخالفين و المؤالفين.

و إنما احتمل بعض من قال به من المخالف أو المؤالف زيادة شي‏ء يسير كالجملة أو الآية أو النقص أو التغيير في جملة أو آية في كلماتها أو إعرابها، و أما جلّ الكتاب الإلهي فهو على ما هو في عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يضع و لم يفقد.

ثم إنا نجد القرآن يتحدّى بأوصاف ترجع إلى عامة آياته و نجد ما بأيدينا من القرآن أعني ما بين الدفتين واجدا لما وصف به من أوصاف تحدّى بها من غير أن يتغير في شي‏ء منها أو يفوته و يفقد.

فنجده يتحدّى بالبلاغة و الفصاحة و نجد ما بأيدينا مشتملا على ذلك النظم العجيب البديع لا يعدله و لا يشابهه شي‏ء من كلام البلغاء و الفصحاء المحفوظ منهم و المروي عنهم من شعر أو نثر أو خطبة أو رسالة أو محاورة أو غير ذلك، و هذا النظم موجود في جميع الآيات سواء كتابا متشابها مثاني تقشعر منه الجلود و القلوب.

و نجده يتحدّى بقوله: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً(1) بعدم وجود اختلاف فيه و نجد ما بأيدينا من القرآن يفي بذلك أحسن الوفاء و أوفاه فما من إبهام أو خلل يتراءى في آية إلّا و يرفعه آية أخرى، و ما من خلاف أو مناقضة يتوهم بادئ الرأي من شطر إلّا و هناك ما يدفعه و يفسّره.

و نجده يتحدّى بغير ذلك مما لا يختص فهمه بأهل اللغة العربية كما في قوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً(2)، و قوله: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ. وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ‏(3) ثم نجد ما بأيدينا من القرآن يستوفي البيان في صريح الحق الذي لا مرية فيه، و يهدي إلى آخر ما يهتدي إليه العقل من أصول المعارف الحقيقية و كليات الشرائع الفطرية و تفاصيل الفضائل الخلقية من غير أن نعثر فيها على شي‏ء من النقيصة و الخلل أو نحصل على شي‏ء من التناقض و الزلل بل نجد جميع المعارف على سعتها و كثرتها حيّة بحياة واحدة مدبّرة بروح واحد هو مبدأ جميع المعارف القرآنية و الأصل الذي إليه ينتهي الجميع و يرجع و هو التوحيد فإليه ينتهي الجميع بالتحليل و هو يعود إلى كل منها بالتركيب.

و نجده يغوص في أخبار الماضين من الأنبياء و أممهم و نجد ما عندنا من كلام اللّه يورد قصصهم و يفصل القول فيها على ما يليق بطهارة الدين و يناسب نزاهة ساحة النبوة و خلوصها للعبودية و الطاعة، و كلما طبقنا قصة من القصص القرآنية على ما يماثلها مما ورد في العهدين انجلى ذلك أحسن الانجلاء.

و نجده يورد آيات في الملاحم و يخبر عن الحوادث الآتية في آيات كثيرة بالتصريح أو بالتلويح ثم نجدها فيما هو بأيدينا من القرآن على تلك الشريطة صادقة مصدقة.

و نجده يصف نفسه بأوصاف زاكية جميلة كما يصف نفسه بأنه نور و أنه هاد يهدي إلى صراط مستقيم و إلى الملة التي هي أقوم و نجد ما بأيدينا من القرآن لا يفقد شيئا من ذلك و لا يهمل من أمر الهداية و الدلالة و لا دقيقة.

و من أجمع الأوصاف التي يذكرها القرآن لنفسه أنه ذكر للّه فإنه يذكر به تعالى بما أنه آية دالة عليه حيّة خالدة، و بما أنه يصفه بأسمائه الحسنى و صفاته العليا، و يصف سنّته في الصنع و الإيجاد، و يصف ملائكته و كتبه و رسله، و يصف شرائعه و أحكامه و يصف ما ينتهي إليه أمر الخلقة و هو المعاد و رجوع الكل إليه سبحانه، و تفاصيل ما يؤول إليه أمر الناس من السعادة و الشقاء، و الجنة و النار.

ففي جميع ذلك ذكر اللّه، و هو الذي يرومه القرآن إطلاق القول بأنه ذكر و نجد ما بأيدينا من القرآن لا يفقد شيئا من معنى الذكر.

و لكون الذكر من أجمع الصفات في الدلالة على شئون القرآن عبّر عنه بالذكر في الآيات التي أخبر فيها عن حفظه القرآن عن البطلان و التغيير و التحريف كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَ فَمَنْ يُلْقى‏ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ. لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(4)، فذكر تعالى أن القرآن من حيث هو ذكر لا يغلبه باطل و لا يدخل فيه حالا و لا في مستقبل الزمان لا بإبطال و لا بنسخ و لا بتغيير أو تحريف يوجب زوال ذكريته عنه.

و كقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏(5) فقد أطلق الذكر و أطلق الحفظ فالقرآن محفوظ بحفظ اللّه عن كل زيادة و نقيصة و تغيير في اللفظ أو في الترتيب يزيله عن الذكرية و يبطل كونه ذكرا للّه سبحانه بوجه.

و من سخيف القول إرجاع ضمير «له» إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإنه مدفوع بالسياق و إنما كان المشركون يستهزءون بالنبي لأجل القرآن الذي كان يدّعي نزوله عليه كما يشير إليه بقوله سابقا: وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ‏(6).

فقد تبين مما فصّلناه أن القرآن الذي أنزله اللّه على نبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و وصفه بأنه ذكر محفوظ على ما أنزل مصون بصيانة إلهية عن الزيادة و النقيصة و التغيير كما وعد اللّه نبيه فيه.

و خلاصة الحجة أن القرآن أنزله اللّه على نبيه و وصفه في آيات كثيرة بأوصاف خاصة لو كان تغير في شي‏ء من هذه الأوصاف بزيادة أو نقيصة أو تغيير في لفظ أو ترتيب مؤثر فقد آثار تلك الصفة قطعا لكنا نجد القرآن الذي بأيدينا واجدا لآثار تلك الصفات المعدودة على أتم ما يمكن و أحسن ما يكون فلم يقع فيه تحريف يسلبه شيئا من صفاته فالذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعينه فلو فرض سقوط شي‏ء منه أو تغير في إعراب أو حرف أو ترتيب وجب أن يكون في أمر لا يؤثر في شي‏ء من أوصافه كالإعجاز و ارتفاع الاختلاف و الهداية و النورية و الذكرية و الهيمنة على سائر الكتب السماوية إلى غير ذلك، و ذلك كآية مكررة ساقطة أو اختلاف في نقطة أو إعراب و نحوها.

الفصل الثاني الروايات تنفي وقوع التحريف‏

و يدلّ على عدم وقوع التحريف الأخبار الكثيرة المروية عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من طرق الفريقين الآمرة بالرجوع إلى القرآن عند الفتن و في حل عقد المشكلات.

و كذا حديث الثقلين المتواتر من طرق الفريقين: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا» الحديث فلا معنى للأمر بالتمسك بكتاب محرّف و نفي الضلال أبدا ممن تمسك به.

و كذا الأخبار الكثيرة الواردة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أئمة أهل البيت عليهم السّلام الآمرة بعرض الأخبار على الكتاب، و ما ذكره بعضهم أن ذلك في الأخبار الفقهية و من الجائز أن نلتزم بعدم وقوع التحريف في خصوص آيات الأحكام و لا ينفع ذلك سائر الآيات مدفوع بأن أخبار العرض مطلقة فتخصيصها بذلك تخصيص من غير مخصص.

على أن لسان أخبار العرض كالصريح أو هو صريح في أن الأمر بالعرض إنما هو لتمييز الصدق من الكذب و الحق من الباطل و من المعلوم أن الدس و الوضع غير مقصورين في أخبار الفقه بل الدواعي إلى الدس و الوضع في المعارف الاعتقادية و قصص الأنبياء و الأمم الماضين و أوصاف المبدأ و المعاد أكثر و أوفر و يؤيد ذلك ما بأيدينا من الإسرائيليات و ما يحذو حذوها مما أمر الجعل فيها أوضح و أبين.

و كذا الأخبار التي تتضمن تمسّك أئمة أهل البيت عليهم السّلام بمختلف الآيات القرآنية في كل باب على ما يوافق القرآن الموجود عندنا حتى في الموارد التي فيها آحاد من الروايات بالتحريف، و هذا أحسن شاهد على أن المراد في كثير من روايات التحريف من قولهم عليهم السّلام: كذا نزل هو التفسير بحسب التنزيل في مقابل البطن و التأويل.

و كذا الروايات الواردة عن أمير المؤمنين عليه السّلام و سائر الأئمة من ذريّته عليهم السّلام في أن ما بأيدي الناس قرآن نازل من عند اللّه تعالى و إن كان غير ما ألفه علي عليه السّلام من المصحف و لم يشركوه عليه السّلام في التأليف في زمن أبي بكر و لا في زمن عثمان و من هذا الباب قولهم عليه السّلام لشيعتهم: «اقرءوا كما قرأ الناس».

و مقتضى هذه الروايات أن لو كان القرآن الدائر بين الناس مخالفا لما ألفه علي عليه السّلام في شي‏ء فإنما يخالفه في ترتيب السور أو في ترتيب بعض الآيات التي لا يؤثر اختلال ترتيبها في مدلولها شيئا و لا في الأوصاف التي وصف اللّه سبحانه بها القرآن النازل من عنده ما يختل به آثارها.

فمجموع هذه الروايات على اختلاف أصنافها يدلّ دلالة قاطعة على أن الذي بأيدينا من القرآن هو القرآن النازل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من غير أن يفقد شيئا من أوصافه الكريمة و آثارها و بركاتها.

الفصل الثالث نقد القول بالتحريف‏

ذهب جماعة من محدثي الشيعة و الحشوية و جماعة من محدثي أهل السنة إلى وقوع التحريف بمعنى النقص و التغيير في اللفظ أو الترتيب دون الزيادة فلم يذهب إليها أحد من المسلمين كما قيل.

و احتجوا على نفي الزيادة بالإجماع و على وقوع النقص و التغيير بوجوه‏ كثيرة:

الوجه الأول: الأخبار

الكثيرة المروية من طرق الشيعة و أهل السنّة الدالّة على سقوط بعض السور و الآيات و كذا الجمل و أجزاء الجمل و الكلمات و الحروف في الجمع الأول الذي ألف فيه القرآن في زمن أبي بكر، و كذا في الجمع الثاني الذي كان في زمن عثمان و كذا التغيير و هذه روايات كثيرة روتها الشيعة في جوامعها المعتبرة و غيرها، و قد ادّعى بعضهم أنّها تبلغ ألفي حديث، و روتها أهل السنّة في صحاحهم كصحيحي البخاري و مسلم و سنن أبي داود و النسائي و أحمد و سائر الجوامع و كتب التفاسير و غيرها و قد ذكر الآلوسي في تفسيره أنها فوق حدّ الإحصاء.

و هذا غير ما يخالف فيه مصحف عبد اللّه بن مسعود المصحف المعروف مما ينيف على ستين موضعا، و ما يخالف فيه مصحف أبي بن كعب المصحف العثماني و هو في بضع و ثلاثين موضعا، و ما تختلف فيه المصاحف العثمانية التي اكتتبها و أرسلها إلى الآفاق و هي خمسة أو سبعة أرسلها إلى مكة و إلى الشام و إلى البصرة و إلى الكوفة و إلى اليمن و إلى‏ البحرين و حبس واحدا بالمدينة و الاختلاف الذي فيما بينها يبلغ خمسة و أربعين حرفا، و قيل: بضع و خمسين حرفا.

و غير الاختلاف في الترتيب بين المصاحف العثمانية و الجمع الأول في زمن أبي بكر فقد كانت سورة الأنفال في التأليف الأول في المثاني و سورة براءة في المئين و هما في الجمع الثاني موضوعتان في الطوال على ما ستجي‏ء روايته.

و غير الاختلاف في ترتيب السور الموجود بين مصحفي عبد اللّه بن مسعود و أبي بن كعب على ما وردت به الرواية و بين المصاحف العثمانية، و غير الاختلافات القرائية الشاذة التي رويت عن الصحابة و التابعين فربما بلغ عدد المجموع الألف أو زاد عليه.

الوجه الثاني: أن العقل يحكم‏

بأنه إذا كان القرآن متفرقا متشتتا منتشرا عند الناس و تصدّى لجمعه غير المعصوم يمتنع عادة أن يكون جمعه كاملا موافقا للواقع.

الوجه الثالث: ما روته العامة و الخاصة أن عليا عليه السّلام‏

اعتزل الناس بعد رحلة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لم يرتد إلّا للصلاة حتى جمع القرآن ثم حمله إلى الناس و أعلمهم أنه القرآن الذي أنزله اللّه على نبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد جمعه فردوه و استغنوا عنه بما جمعه لهم زيد بن ثابت و لو لم يكن بعض ما فيه مخالفا لبعض ما في مصحف زيد لم يكن لحمله إليهم و إعلامهم و دعوتهم إليه وجه، و قد كان عليه السّلام أعلم الناس بكتاب اللّه بعد نبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد أرجع الناس إليه في حديث الثقلين المتواتر و قال في الحديث المتفق عليه: «عليّ مع الحق و الحق مع عليّ».

الوجه الرابع: ما ورد من الروايات أنه يقع في هذه الأمة ما وقع في بني إسرائيل‏

حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة، و قد حرّفت بنو إسرائيل كتاب نبيّهم على ما يصرح به القرآن الكريم و الروايات المأثورة، فلا بد أن يقع نظيره في هذه الأمة فيحرفوا كتاب ربهم و هو القرآن الكريم.

ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:

لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبرا بشبر و ذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموه، قلنا: يا رسول اللّه بآبائنا و أمهاتنا اليهود و النصارى؟

قال فمن؟

و الرواية مستفيضة مروية في جوامع الحديث عن عدة من الصحابة كأبي سعيد الخدري- كما مرّ- و أبي هريرة و عبد اللّه بن عمر، و ابن عباس و حذيفة و عبد اللّه بن مسعود و سهل بن سعد و عمر بن عوف و عمرو بن العاص و شداد بن أوس و المستورد بن شداد في ألفاظ متقاربة.

و هي مروية مستفيضة من طرق الشيعة عن عدة من أئمة أهل البيت عليهم السّلام عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما في تفسير القمي عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لتركبنّ سبيل من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة لا تخطئون طريقهم و لا تخطئ شبر بشبر و ذراع بذراع و باع بباع حتى أن لو كان من قبلكم دخل جحر ضبّ لدخلتموه قالوا: اليهود و النصارى تعني يا رسول اللّه؟ قال: فمن أعني؟ لتنقضنّ عرى الإسلام عروة عروة فيكون أول ما تنقضون من دينكم الأمانة و آخره الصلاة.

و الجواب عن استدلالهم بإجماع الأمة على نفي تحريف القرآن بالزيادة بأنها حجة مدخولة لكونها دورية.

بيان ذلك: أن الإجماع ليس في نفسه حجة عقلية يقينية بل هو عند القائلين باعتباره حجة شرعية لو أفاد شيئا من الاعتقاد فإنما يفيد الظن سواء في ذلك محصله و منقوله على خلاف ما يزعمه كثير منهم أن الإجماع المحصّل مفيد للقطع و ذلك أن الذي يفيده الإجماع من الاعتقاد لا يزيد على مجموع الاعتقادات التي تفيدها آحاد الأقوال و الواحد من الأقوال المتوافقة لا يفيد إلّا الظن بإصابة الواقع، و انضمام القول الثاني الذي يوافقه إليه إنما يفيد قوة الظن دون القطع لأن القطع اعتقاد خاص بسيط مغاير للظن و ليس بالمركّب من عدة ظنون.

و هكذا كلما انضم قول إلى قول تراكمت الأقوال المتوافقة و زاد الظن قوة و تراكمت الظنون و اقتربت من القطع من غير أن تنقلب إليه كما تقدم، هذا في المحصّل من الإجماع و هو الذي نحصله بتتبع جميع الأقوال و الحصول على كل قول قول، و أما المنقول منه الذي ينقله الواحد و الاثنان‏ من أهل العلم و البحث فالأمر فيه أوضح فهو كآحاد الروايات لا يفيد إلّا الظن إن أفاد شيئا من الاعتقاد.

فالإجماع حجة ظنية شرعية دليل اعتبارها عند أهل السنّة مثلا قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «لا تجتمع أمتي على خطاء أو ضلال» و عند الشيعة دخول قول المعصوم في أقوال المجمعين أو كشف أقوالهم عن قوله بوجه.

فحجية الإجماع بالجملة متوقفة على صحة النبوة و ذلك ظاهر، و صحة النبوة اليوم متوقفة على سلامة القرآن من التحريف المستوجب لزوال صفات القرآن الكريمة عنه كالهداية و فصل القول و خاصة الإعجاز فإنه لا دليل حيا خالدا على خصوص نبوة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم غير القرآن الكريم بكونه آية معجزة، و مع احتمال التحريف بزيادة أو نقيصة أو أي تغيير آخر لا وثوق بشي‏ء من آياته و محتوياته أنه كلام اللّه محضا و بذلك تسقط الحجة و تفسد الآية، و مع سقوط كتاب اللّه عن الحجية يسقط الإجماع عن الحجية.

و لا ينفع في المقام ما قدمناه في أول الكلام أن وجود القرآن المنزل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيما بأيدينا من القرآن في الجملة من ضروريات التاريخ.

و ذلك لأن مجرد اشتمال ما بأيدينا منه على القرآن الواقعي لا يدفع احتمال زيادة أو نقيصة أو أي تغيير آخر في كل آية أو جملة أريد التمسك بها لإثبات مطلوب.

و الجواب عن الوجه الأول‏

الذي أقيم لوقوع التحريف بالنقص و التغيير و هو الذي تمسك فيه بالأخبار:

أما أولا فبأن التمسك بالأخبار بما أنها حجة شرعية يشتمل من الدور على ما يشتمل عليه التمسك بالإجماع بنظير البيان الذي تقدم آنفا.

فلا يبقى للمستدل بها إلّا أن يتمسك بها بما أنها أسناد و مصادر تاريخية و ليس فيها حديث متواتر و لا محفوف بقرائن قطعية تضطرّ العقل إلى قبوله بل هي آحاد متفرقة متشتتة مختلفة منها صحاح و منها ضعاف في أسنادها و منها قاصرة في دلالتها فما أشذّ منها ما هو صحيح في سنده تام في دلالته.

و هذا النوع على شذوذه و ندرته غير مأمون فيه الوضع و الدسّ فإن انسراب الإسرائيليات و ما يلحق بها من الموضوعات و المدسوسات بين رواياتنا لا سبيل إلى إنكاره و لا حجية في خبر لا يؤمن فيه الدسّ و الوضع.

و مع الغض عن ذلك فهي تذكر من الآيات و السور ما لا يشبه النظم القرآني بوجه، و مع الغضّ عن جميع ذلك فإنها مخالفة للكتاب مردودة.

أما ما ذكرنا أن أكثرها ضعيفة الأسناد فيعلم ذلك بالرجوع إلى أسانيدها فهي مراسيل أو مقطوعة الأسناد أو ضعيفتها، و السالم منها من هذه العلل أقلّ قليل.

و أما ما ذكرنا أن منها ما هو قاصر في دلالتها فإن كثيرا مما وقع فيها من الآيات المحكيّة من قبيل التفسير و ذكر معنى الآيات لا من حكاية متن الآية المحرّفة و ذلك كما في روضة الكافي عن أبي الحسن الأول في قول اللّه: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ عِظْهُمْ وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً(7).

و ما في الكافي عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى: وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا(8) قال: «إن تلووا الأمر و تعرضوا عما أمرتم به فإن اللّه كان بما تعملون خبيرا» إلى غير ذلك من روايات التفسير المعدودة من أخبار التحريف.

و يلحق بهذا الباب ما لا يحصى من الروايات المشيرة إلى سبب النزول المعدودة من أخبار التحريف كالروايات التي تذكر هذه الآية هكذا:

«يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك في علي» و الآية نازلة في حقه عليه السّلام، و ما روي أن وفد بني تميم كانوا إذا قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وقفوا على باب الحجرة و نادوه أن اخرج إلينا فذكرت الآية فيها هكذا: «إن الذين ينادونك من وراء الحجرات بنو تميم أكثرهم لا يعقلون» فظن أن في الآية سقطا.

و يلحق بهذا الباب أيضا ما لا يحصى من الأخبار الواردة في جري القرآن‏ و انطباقه كما ورد في قوله: «و سيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم» و ما ورد من قوله: «و من يطع اللّه و رسوله في ولاية علي و الأئمة من بعده فقد فاز فوزا عظيما» و هي كثيرة جدا.

و يلحق بها أيضا ما أتبع فيه القراءة بشي‏ء من الذكر و الدعاء فتوهّم أنه من سقط القرآن كما في الكافي عن عبد العزيز بن المهتدي قال: سألت الرضا عليه السّلام عن التوحيد فقال: كل من قرأ قل هو اللّه أحد و آمن بها فقد عرف التوحيد، قال: [قلت‏] كيف نقرؤها؟ قال: كما يقرؤها الناس و زاد فيه كذلك اللّه ربي كذلك اللّه ربي.

و من قبيل قصور الدلالة ما نجد في كثير من الآيات المعدودة من المحرّفة اختلاف الروايات في لفظ الآية كالتي وردت في قوله تعالى: «و لقد نصركم اللّه ببدر و أنتم أذلة» ففي بعضها أن الآية هكذا: «و لقد نصركم اللّه ببدر و أنتم ضعفاء» و في بعضها: «و لقد نصركم اللّه ببدر و أنتم قليل».

و هذا الاختلاف ربما كان قرينة على أن المراد هو التفسير بالمعنى كما في الآية المذكورة، و يؤيده ما ورد في بعضها من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا يجوز وصفهم بأنهم أذلة و فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و ربما لم يكن إلّا من التعارض و التنافي بين الروايات القاضي بسقوطها كآية الرجم على ما ورد في روايات الخاصة و العامة و هي في بعضها: «إذا زنى الشيخ و الشيخة فارجموهما البتة فإنهما قضيا الشهوة»، و في بعضها: «الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فإنهما قضيا الشهوة»، و في بعضها: «بما قضيا اللذة» و في بعضها آخرها: «نكالا من اللّه و اللّه عليم حكيم» و في بعضها: «نكالا من اللّه و اللّه عزيز حكيم». و كآية الكرسي على التنزيل التي وردت فيها روايات فهي في بعضها هكذا: اللّه لا إله إلّا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم له ما في السموات و ما في الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى عالم الغيب و الشهادة فلا يظهر على غيبه أحدا من ذا الذي يشفع عنده- إلى قوله- و هو العلي العظيم و الحمد للّه رب العالمين.

و في بعضها- إلى قوله- هم فيها خالدون و الحمد للّه رب العالمين، و في بعضها هكذا «له ما في السموات و ما في الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم» إلخ، و في بعضها: «عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم بديع السماوات و الأرض ذو الجلال و الإكرام رب العرش العظيم» و في بعضها: «عالم الغيب و الشهادة العزيز الحكيم».

و ما ذكره بعض المحدثين أن اختلاف هذه الروايات في الآيات المنقولة غير ضائر لاتفاقها في أصل التحريف. مردود بأن ذلك لا يصلح ضعف الدلالة و دفع بعضها لبعض.

و أما ما ذكرنا من شيوع الدس و الوضع في الروايات فلا يرتاب فيه من راجع الروايات المنقولة في الصنع و الإيجاد و قصص الأنبياء و الأمم و الأخبار الواردة في تفاسير الآيات و الحوادث الواقعة في صدر الإسلام و أعظم ما يهم أمره لأعداء الدين و لا يألون جهدا في إطفاء نوره و إخماد ناره و إعفاء أثره هو القرآن الكريم الذي هو الكهف المنيع و الركن الشديد الذي يأوى إليه و يتحصن به المعارف الدينية، و السند الحي الخالد لمنشور النبوة و موادّ الدعوة لعلمهم بأنه لو بطلت حجة القرآن لفسد بذلك أمر النبوة و اختل نظام الدين و لم يستقر من بنيانه حجر على حجر.

و العجب من هؤلاء المحتجين بروايات منسوبة إلى الصحابة أو إلى أئمة أهل البيت عليهم السّلام على تحريف كتاب اللّه سبحانه و إبطال حجيته، و ببطلان حجة القرآن تذهب النبوة سدى و المعارف الدينية لغى لا أثر لها، و ما ذا يغني قولنا: إن رجلا في تاريخ كذا ادعى النبوة و أتى بالقرآن معجزة أما هو فقد مات و أما قرآنه فقد حرّف، و لم يبق بأيدينا مما يؤيد أمره إلّا أن المؤمنين به أجمعوا على صدقه في دعواه و أن القرآن الذي جاء به كان معجزا دالا على نبوته، و الإجماع حجة لأن النبي المذكور اعتبر حجيته أو لأنه يكشف مثلا عن قول أئمة أهل بيته؟

و بالجملة احتمال الدس- و هو قريب جدا مؤيد بالشواهد و القرائن- يدفع حجية هذه الروايات و يفسد اعتبارها فلا يبقى معه لها لا حجية شرعية و لا حجية عقلائية حتى ما كان منها صحيح الإسناد فإن صحة السند و عدالة رجال الطريق إنما يدفع تعمدهم الكذب دون دس غيرهم في أصولهم‏

و جوامعهم ما لم يرووه. و أما ما ذكرناه أن روايات التحريف تذكر آيات و سورا لا يشبه نظمها النظم القرآني بوجه فهو ظاهر لمن راجعها فإنه يعثر فيها بشي‏ء كثير من ذلك كسورتي الخلع و الحفد اللتين رويتا بعدة من طرق أهل السنّة فسورة الخلع هي: «بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك و نستغفرك، و نثني عليك و لا نكفرك، و نخلع و نترك من يفجرك» و سورة الحفد هي: «بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد و لك نصلي و نسجد، و إليك نسعى و نحفد، نرجو رحمتك و نخشى نقمتك إن عذابك بالكافرين ملحق».

و كذا ما أورده بعض الروايات من سورة الولاية و غيرها أقاويل مختلفة رام واضعها أن يقلد النظم القرآني فخرج الكلام عن الأسلوب العربي المألوف و لم يبلغ النظم الإلهي المعجز فعاد يستبشعه الطبع و ينكره الذوق و لك أن تراجعها حتى تشاهد صدق ما ادعيناه، و تقضي أن أكثر المعتنين بهذه السور و الآيات المختلفة المجعولة إنما دعاهم إلى ذلك التعبّد الشديد بالروايات و الإهمال في عرضها على الكتاب و لو لا ذلك لكفتهم للحكم بأنها ليست بكلام إلهي نظرة.

و أما ما ذكرنا أن روايات التحريف على تقدير صحة إسنادها مخالفة للكتاب فليس المراد به مجرد مخالفتها لظاهر قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ و قوله: وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ. لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ‏ الآيتان، حتى تكون مخالفة ظنية لكون ظهور الألفاظ من الأدلة الظنية بل المراد مخالفتها للدلالة القطعية من مجموع القرآن الذي بأيدينا حسب ما قررناه في الحجة الأولى التي أقمناها لنفي التحريف.

كيف لا؟ و القرآن الذي بأيدينا متشابه الأجزاء في نظمه البديع المعجز كاف في رفع الاختلافات المتراءاة بين آياته و أبعاضه غير ناقص و لا قاصر في إعطاء معارفه الحقيقية و علومه الإلهية الكلية و الجزئية المرتبطة بعضها ببعض المترتبة فروعها على أصولها المنعطفة أطرافها على أوساطها إلى غير ذلك من خواصّ النظم القرآني الذي وصفه اللّه بها.

و الجواب عن الوجه الثاني‏

أن دعوى الامتناع العادي مجازفة بيّنة نعم يجوّز العقل عدم موافقة التأليف في نفسه للواقع إلّا أن تقوم قرائن تدل على‏ ذلك و هي قائمة كما قدمنا، و أما أن يحكم العقل بوجوب مخالفتها للواقع كما هو مقتضى الامتناع العادي فلا.

و الجواب عن الوجه الثالث‏

أن جمعه عليه السّلام القرآن و حمله إليهم و عرضه عليهم لا يدل على مخالفة ما جمعه لما جمعوه في شي‏ء من الحقائق الدينية الأصلية أو الفرعية إلّا أن يكون في شي‏ء من ترتيب السور أو الآيات من السور التي نزلت نجوما بحيث لا يرجع إلى مخالفة في بعض الحقائق الدينية.

و لو كان كذلك لعارضهم بالاحتجاج و دافع فيه و لم يقنع بمجرد إعراضهم عما جمعه و استغنائهم عنه كما روي عنه عليه السّلام في موارد شتى، و لم ينقل عنه عليه السّلام فيما روي من احتجاجاته أنه قرأ في أمر ولايته و لا غيرها آية أو سورة تدل على ذلك و جبّههم على إسقاطها أو تحريفها.

و هل كان ذلك حفظا لوحدة المسلمين و تحرزا عن شق العصا فإنما كان يتصور ذلك بعد استقرار الأمر و اجتماع الناس على ما جمع لهم لا حين الجمع و قبل أن يقع في الأيدي و يسير في البلاد.

و ليت شعري هل يسعنا أن ندعي أن ذلك الجم الغفير من الآيات التي يرون سقوطها و ربما ادعوا أنها تبلغ الألوف كانت جميعا في الولاية أو كانت خفية مستورة عن عامة المسلمين لا يعرفها إلّا النزر القليل منهم مع توفر دواعيهم و كثرة رغباتهم على أخذ القرآن كلما نزل و تعلمه، و بلوغ اجتهاد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في تبليغه و إرساله إلى الآفاق و تعليمه و بيانه، و قد نص على ذلك القرآن قال تعالى: وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ(9)، و قال: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ‏(10) فكيف ضاع؟ و أين ذهب؟ ما يشير إليه بعض المراسيل أنه سقط في آية من أول سورة النساء بين قوله‏ وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى‏ إلى قوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ أكثر من ثلث القرآن أي أكثر من ألفي آية، و ما ورد من طرق أهل السنّة أن سورة براءة كانت مبسملة تعدل سورة البقرة، و أن الأحزاب كانت أعظم من البقرة و قد سقطت منه مائتا آية إلى غير ذلك!.

أو أن هذه الآيات و قد دلت هذه الروايات على بلوغها في الكثرة- كانت منسوخة التلاوة كما ذكره جمع من المفسرين من أهل السنّة حفظا لما ورد في بعض رواياتهم أن من القرآن ما أنساه اللّه و نسخ تلاوته.

فما معنى إنساء الآية و نسخ تلاوتها؟ أ كان ذلك لنسخ العمل بها فما هي هذه الآيات المنسوخة الواقعة في القرآن كآية الصدقة و آية نكاح الزانية و الزاني و آية العدة و غيرها؟ و هم مع ذلك يقسمون منسوخ التلاوة إلى منسوخ التلاوة و العمل معا و منسوخ التلاوة دون العمل كآية الرجم.

أم كان ذلك لكونها غير واجدة لبعض صفات كلام اللّه حتى أبطلها اللّه بإمحاء ذكرها و إذهاب أثرها فلم يكن من الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و لا منزها من الاختلاف، و لا قولا فصلا و لا هاديا إلى الحق و إلى طريق مستقيم، و لا معجزا يتحدى به و لا، و لا، فما معنى الآيات الكثيرة التي تصف القرآن بأنه في لوح محفوظ، و أنه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و أنه قول فصل، و أنه هدى، و أنه نور، و أنه فرقان بين الحق و الباطل، و أنه آية معجزة، و أنه، و أنه؟

فهل يسعنا أن نقول: إن هذه الآيات على كثرتها و إباء سياقها عن التقييد مقيدة بالبعض فبعض الكتاب فقط و هو غير المنسي و منسوخ التلاوة لا يأتيه الباطل و قول فصل و هدى و نور و فرقان و معجزة خالدة؟

و هل جعل الكلام منسوخ التلاوة و نسيا منسيا غير إبطاله و إماتته؟ و هل صيرورة القول النافع بحيث لا ينفع للأبد و لا يصلح شأنا مما فسد غير إلغائه و طرحه و إهماله؟ و كيف يجامع ذلك كون القرآن ذكرا؟

فالحق أن روايات التحريف المروية من طرق الفريقين و كذا الروايات المروية في نسخ تلاوة بعض الآيات القرآنية مخالفة للكتاب مخالفة قطعية.

و الجواب عن الوجه الرابع:

أن أصل الأخبار القاضية بمماثلة الحوادث الواقعة في هذه الأمة لما وقع في بني إسرائيل مما لا ريب فيه، و هي متظافرة أو متواترة، لكن هذه الروايات لا تدل على المماثلة من جميع الجهات، و هو ظاهر بل الضرورة تدفعه.

فالمراد بالمماثلة هي المماثلة في الجملة من حيث النتائج و الآثار، و حينئذ فمن الجائز أن تكون مماثلة هذه الأمة لبني إسرائيل في مسألة تحريف الكتاب إنما هي في حدوث الاختلاف و التفرق بين الأمة بانشعابها إلى مذاهب شتى يكفّر بعضهم بعضا و افتراقها إلى ثلاث و سبعين فرقة كما افترقت النصارى إلى اثنتين و سبعين و اليهود إلى واحدة و سبعين و قد ورد هذا المعنى في كثير من هذه الروايات حتى ادعى بعضهم كونها متواترة.

و من المعلوم أن الجميع مستندون فيما اختاروه إلى كتاب اللّه، و ليس ذلك إلا من جهة تحريف الكلم عن مواضعه، و تفسير القرآن الكريم بالرأي و الاعتماد على الأخبار الواردة في تفسير الآيات من غير العرض على الكتاب و تمييز الصحيح منها من السقيم.

و بالجملة أصل الروايات الدالة على المماثلة بين الأمتين لا يدل على شي‏ء من التحريف الذي يدّعونه نعم وقع في بعضها ذكر التحريف بالتغيير و الإسقاط، و هذه الطائفة على ما بها من السقم مخالفة للكتاب كما تقدم‏(11).

الإعجاز و التحدي في القرآن الكريم، سيد محمد حسين طباطبائى / قاسم الهاشمى‏/موسسة الاعلمى للمطبوعات‏- بيروت‏/1423 / 2002

مأخذ:

(1) النساء- 82.

(2) الإسراء- 88.

(3) الطارق- 13 و 14.

(4) حم السجدة- 40 إلى 42.

(5) الحجر- 9.

(6) الحجر- 6.

(7) النساء- 63.

(8) النساء- 135.

(9) الجمعة- 2.

(10) النحل- 44.

(11) راجع الميزان المجلد 12 ص 102.