")
عمدة البيان في ترتيب القرآن‏
التحدي بالإعجاز

في ثلاثة فصول:

الفصل الأول معنى الأجزاء و الأحزاب القرآنية

إن للقرآن الكريم أجزاء يعرف بها كالجزء و الحزب و العشر و غير ذلك و الذي ينتهي اعتباره إلى عناية من نفس الكتاب العزيز اثنان منها و هما السورة و الآية فقد كرر اللّه سبحانه ذكرهما في كلامه كقوله: سُورَةٌ أَنْزَلْناها(1) و قوله: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ(2). و غير ذلك.

و قد كثر استعماله في لسان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الصحابة و الأئمة كثرة لا تدع ريبا في أن لها حقيقة في القرآن الكريم و هي مجموعة من الكلام الإلهي مبدوءة بالبسملة مسوقة لبيان غرض، و هو معرف للسورة مطرد غير منقوض إلّا ببراءة و قد ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام أنها آيات من سورة الأنفال، و إلّا بما ورد عنهم عليهم السّلام أن الضحى و أ لم نشرح سورة واحدة و أن الفيل و الإيلاف سورة واحدة.

و نظيره القول في الآية فقد تكرر في كلامه تعالى إطلاق الآية على قطعة من الكلام كقوله: وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً(3)، و قوله:

كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا(4)، و قد روي عن أم سلمة أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قد روي عن أم سلمة أن النبي كان يقف على رءوس الآي و صح أن سورة الحمد سبع آيات، و روي عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن سورة الملك ثلاثون آية إلى غير ذلك مما يدل على وقوع العدد على الآيات في كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و الذي يعطيه التأمل في انقسام الكلام العربي إلى قطع و فصول بالطبع و خاصة فيما كان من الكلام مسجعا ثم التدبر فيما ورد عن النبي و آله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أعداد الآيات أن الآية من القرآن هي قطعة من الكلام من حقها أن تعتمد عليها التلاوة بفصلها عما قبلها و عما بعدها.

و يختلف ذلك باختلاف السياقات و خاصة في السياقات المسجّعة فربما كانت كلمة واحدة كقوله: مُدْهامَّتانِ‏(5) و ربما كانت كلمتين فصاعدا كلاما أو غير كلام كقوله: الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ. عَلَّمَهُ الْبَيانَ(6) و قوله: الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ. وَ ما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ(7)، و ربما طالت كآية الدين من سورة البقرة آية: 282.

الفصل الثاني عدد السور القرآنية

أما عدد السور القرآنية فهي مائة و أربع عشرة سورة على ما جرى عليه الرسم في المصحف الدائر بيننا و هو مطابق للمصحف العثماني، و قد تقدم كلام أئمة أهل البيت عليهم السّلام فيه، و أنهم لا يعدون براءة سورة مستقلة و يعدون الضحى و أ لم نشرح سورة واحدة و يعدون الفيل و الإيلاف سورة واحدة.

و أما عدد الآي فلم يرد فيه نص متواتر يعرف الآي و يميز كل آية من غيرها و لا شي‏ء من الآحاد يعتمد عليه، و من أوضح الدليل على ذلك اختلاف أهل العدد فيما بينهم و هم المكيون و المدنيون و الشاميون و البصريون و الكوفيون.

فقد قال بعضهم: إن مجموع القرآن ستة آلاف آية، و قال بعضهم: ستة آلاف و مائتان و أربع آيات، و قيل: و أربع عشرة، و قيل: و تسع عشرة و قيل:

و خمس و عشرون، و قيل: و ست و ثلاثون.

و قد روى المكيون عددهم عن عبد اللّه بن كثير عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب، و للمدنيين عددان ينتهي أحدهما إلى أبي جعفر مرثد بن القعقاع و شيبة بن نصاح، و الآخر إلى إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري و روى أهل الشام عددهم عن أبي الدرداء، و ينتهي عدد أهل البصرة إلى عاصم بن العجاج الجحدري، و يضاف عدد أهل الكوفة إلى حمزة و الكسائي و خلف قال حمزة أخبرنا بهذا العدد ابن أبي ليلى عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب.

و بالجملة لما كانت الأعداد لا تنتهي إلى نص متواتر أو واحد يعبا به و يجوز الركون إليه و يتميز به كلّ آية عن أختها لا ملزم للأخذ بشي‏ء منها فما كان منها بينا ظاهر الأمر فهو و إلّا فللباحث المتدبر أن يختار ما أدى إليه نظره. و الذي روي عن علي عليه السّلام من عدد الكوفيين معارض بأن البسملة غير معدودة في شي‏ء من السور ما خلا فاتحة الكتاب من آياتها مع أن المروي عنه عليه السّلام و عن غيره من أئمة أهل البيت عليه السّلام أن البسملة آية من القرآن و هي جزء من كل سورة افتتحت بها و لازم ذلك زيادة العدد بعدد البسملات.

و هذا هو الذي صرفنا عن إيراد تفاصيل ما ذكروه من العدد هاهنا، و ذكر ما اتفقوا على عدده من السور القرآنية و هي أربعون سورة و ما اختلفوا في عدده أو في رءوس آية من السور و هي أربع و سبعون سورة و كذا ما اتفقوا على كونه آية تامة أو على عدم كونه آية مثل‏ الر أينما وقع من القرآن و ما اختلف فيه، و على من أراد الاطلاع على تفصيل ذلك أن يراجع مظانه.

الفصل الثالث في ترتيب السور نزولا

نقل في الإتقان عن ابن الضريس في فضائل القرآن قال: حدثنا محمد ابن عبد اللّه بن أبي جعفر الرازي، أنبأنا عمرو بن هارون، حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن ابن عباس قال: كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثم يزيد اللّه فيها ما شاء.

و كان أول ما أنزل من القرآن اقرأ باسم ربك، ثم ن، ثم يا أيها المزمل، ثم يا أيها المدثر، ثم تبت يدا أبي لهب، ثم إذا الشمس كورت، ثم سبح اسم ربك الأعلى، ثم و الليل إذا يغشى، ثم و الفجر، ثم و الضحى، ثم أ لم نشرح، ثم و العصر، ثم و العاديات، ثم إنا أعطيناك، ثم ألهاكم التكاثر، ثم أ رأيت الذي يكذب، ثم قل يا أيها الكافرون، ثم أ لم تر كيف فعل ربك، ثم قل أعوذ برب الفلق، ثم قل أعوذ برب الناس، ثم قل هو اللّه أحد، ثم و النجم، ثم عبس، ثم إنا أنزلناه في ليلة القدر، ثم و الشمس و ضحاها، ثم و السماء ذات البروج، ثم التين، ثم لإيلاف قريش، ثم القارعة، ثم لا أقسم بيوم القيامة، ثم ويل لكل همزة، ثم و المرسلات، ثم ق، ثم لا أقسم بهذا البلد، ثم و السماء و الطارق، ثم اقتربت الساعة، ثم ص، ثم الأعراف، ثم قل أوحي، ثم يس، ثم الفرقان، ثم الملائكة، ثم كهيعص، ثم طه، ثم الواقعة، ثم طسم الشعراء، ثم طس، ثم القصص، ثم بني إسرائيل، ثم يونس، ثم هود، ثم يوسف، ثم الحجر، ثم الأنعام، ثم الصافات، ثم لقمان، ثم سبأ، ثم الزمر، ثم حم المؤمن، ثم حم السجدة، ثم حمعسق، ثم حم الزخرف، ثم الدخان، ثم الجاثية، ثم الأحقاف، ثم‏ الذاريات، ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم النحل، ثم إنا أرسلنا نوحا، ثم سورة إبراهيم، ثم الأنبياء، ثم المؤمنين، ثم تنزيل السجدة، ثم الطور، ثم تبارك الملك، ثم الحاقة، ثم سأل، ثم عم يتساءلون، ثم النازعات، ثم إذا السماء انفطرت، ثم إذا السماء انشقت، ثم الروم، ثم العنكبوت، ثم ويل للمطففين، فهذا ما أنزل اللّه بمكة.

ثم أنزل اللّه بالمدينة سورة البقرة، ثم الأنفال، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثم إذا زلزلت، ثم الحديد، ثم القتال، ثم الرعد، ثم الرحمن، ثم الإنسان، ثم الطلاق، ثم لم يكن، ثم الحشر، ثم إذا جاء نصر اللّه، ثم النور، ثم الحج، ثم المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم التحريم، ثم الجمعة، ثم التغابن، ثم الصف، ثم الفتح، ثم المائدة، ثم براءة.

و قد سقطت من الرواية سورة فاتحة الكتاب و ربما قيل: إنما نزلت مرتين مرة بمكة و مرة بالمدينة.

و نقل فيه عن البيهقي في دلائل النبوة أنه روى بإسناده عن عكرمة و الحسين بن أبي الحسن قالا: أنزل اللّه من القرآن بمكة اقرأ باسم ربك و ساقا الحديث نحو حديث عطاء السابق عن ابن عباس إلّا أنه قد سقط منه الفاتحة و الأعراف و كهيعص مما نزل بمكة.

و أيضا ذكر فيه حم الدخان قبل حم السجدة ثم إذا السماء انشقت قبل إذا السماء انفطرت ثم ويل للمطففين قبل البقرة مما نزل بالمدينة ثم آل عمران قبل الأنفال ثم المائدة قبل الممتحنة.

ثم روى البيهقي بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: إن أول ما أنزل اللّه على نبيه من القرآن اقرأ باسم ربك، الحديث و هو مطابق لحديث عكرمة في الترتيب و قد ذكرت فيه السور التي سقطت من حديث عكرمة فيما نزل بمكة.

و فيه عن كتاب الناسخ و المنسوخ لابن حصار أن المدني باتّفاق عشرون سورة و المختلف فيه اثنتا عشرة سورة و ما عدا ذلك مكي باتفاق، انتهى.

و الذي اتفقوا عليه من المدنيات البقرة و آل عمران و النساء و المائدة و الأنفال و التوبة و النور و الأحزاب و سورة محمد و الفتح و الحجرات و الحديد و المجادلة و الحشر و الممتحنة و المنافقون و الجمعة و الطلاق و التحريم و النصر. و ما اختلفوا في مكيته و مدنيته سورة الرعد و الرحمن و الجن و الصف و التغابن و المطففين و القدر و البينة و الزلزال و التوحيد و المعوذتان.

و للعلم بمكية السور و مدنيتها ثمّ ترتيب نزولها أثر هام في الأبحاث المتعلقة بالدعوة النبوية و سيرها الروحي و السياسي و المدني في زمنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تحليل سيرته الشريفة و الروايات- كما ترى- لا تصلح أن تنهض حجة معتمدا عليها في إثبات شي‏ء من ذلك على أن فيما بينها من التعارض ما يسقطها عن الاعتبار. فالطريق المتعين لهذا الغرض هو التدبر في سياق الآيات و الاستمداد بما يتحصل من القرائن و الأمارات الداخلية و الخارجية، و على ذلك نجري في هذا الكتاب و اللّه المستعان ...(8).

الإعجاز و التحدي في القرآن الكريم، سيد محمد حسين طباطبائى / قاسم الهاشمى‏/موسسة الاعلمى للمطبوعات‏- بيروت‏/1423 / 2002

مأخذ:

(1) النور- 1.

(2) يونس- 38.

(3) الأنفال- 2.

(4) حم السجدة- 3.

(5) الرحمن- 64.

(6) الرحمن- 1 إلى 4.

(7) الحاقة- 1 إلى 3.

(8) انظر هذا المبحث في المجلد الثالث عشر من الميزان ص 226.